قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُوِ سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي حَسَّانٍ، قَالَ: أَتَيْتُ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَأَصَبْتُهُ، قَدِ ارْتَفَعَ، وَبَابُ دَارِهِ مُغْلَقٌ، فَدَفَعْتُ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَى جَارِيَةٍ صَفْرَاء فَقَالَتْ لِي: مِنْ أَهْلِ الْمَسَائِلِ أَنْتَ أَمْ مِنْ أَهْلِ الْحَوَائِجِ؟ فَقُلْتُ لَهَا: رَجُلٌ غَرِيبٌ أَتَيْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُسْلِمًا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ لِي: لَيْسَ هَذَا وَقْتُكَ، ادْخُلِ السَّقِيفَةَ، فَدَخَلْتُ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ فَتَحْتُ الْبَابَ فَإِذَا بِمَجْلِسٍ كَبِيرٍ مَفْرُوشٍ بِالنَّمَارِقِ وَالْمُتَّكآتِ، مِنْ أَوَّلِ الْمَجْلِسِ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ نُمْرُقَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُتَّكَأَةٌ عَلَى الْيَمِينِ، وَأُخْرَى عَلَى الشِّمَالِ، وَأُخْرَى إِلَى الْحَائِطِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا مَجْلِسُ الشَّيْخِ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ وَفِي حِضْنِهَا مَرَاوِحُ، فَوَضَعَتْ عَلَى مُتَّكَأَةٍ مَرْوَحَةً، ثُمَّ دَخَلَ مَشَائِخُ فَقَعُدوا، ثُمَّ خَرَجَ مَالِكٌ يَتَهَادَى بَيْنَ تِلْكَ
[ ٨٧ ]
الْجَارِيَةِ الصَّفْرَاءِ وَفَتًى، وَرِجْلاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ مِنَ الْكِبَرِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَمَالِهِ وَبَهَائِهِ وَإِلَى شَعِر رَأْسِهِ قَدْ تَعَقَّفَ جُعُودَةً، حَتَّى أَتَيَا بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَجَلَسَ وَسَوَّى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى قَاعِدًا سَلَّمَ فَعَمَّ بِسَلامِهِ، فَرَدُّوا ﵇، فَقُمْتُ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: عَادَ صَاحِبُكَ إِلَى الْقَضَاءِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: مَا ذَاكَ بِخَيْرٍ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ الْكِتَابَ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا كِتَابُ ابْنِ غَانِمٍ أَتَانِي فِي هَذَا الرَّجُلِ، يُخْبِرُنِي عَنْ حَالِهِ فِي بَلَدِهِ وَقَدَرِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ عَمِيدُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» .
قَالَ: فَقُمْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَأَوْسَعَ لِي رَجُلٌ فَجَلَسْتُ، فَذَكَرُوا لَهُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: لا يُؤْخَذُ هَذَا الْعِلْمُ إِلا عَنِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ، الْحَسَنِ مَخْبَرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَسَّانٍ: ثُمَّ يَأْتِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَا قَاعِدٌ وَقَدْ أَخَذَ بِضَبْعَيْهِ، فَرُبَّمَا قَالَ: الْعِلْمُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، الْعِلْمُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَسُئِلَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً وَأَنَا أَحْسِبُهَا، فَمَا أَجَابَ إِلا فِي ثِنْتَيْنِ مِنْهَا وَلَمْ يُجِبْ فِي الاثْنَتَيْنِ إِلا أَكْثَرَ مِنْ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَسَّانٍ: ثُمَّ اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُكْرِمًا لِي، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَسَّانٍ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَصَبْتُ عِنْدَهُ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ، وَأَبَا مُحْرِزٍ، وَهُمَا يَتَنَاظَرَانِ، فِي النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ، وَأَبُو مُحْرِزٍ يَذْهَبُ إِلَى تَحْلِيلِهِ وَأَسَدٌ يَذْهَبُ إِلَى تَحْرِيمِهِ، فَلَمَّا أَنْ قَعَدْتُ قَالَ لِي زِيَادَةُ اللَّهِ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ سُوءَ رَأْيِي فِيهِ وَقَاضِيَاكَ يَتَنَاظَرَانِ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ لِي: نَاظِرْنِي أَنْتَ وَدَعْهُمَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: اسْكُتَا،
[ ٨٨ ]
فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ؟ فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، كَمْ دِيَةُ الْعَقْلِ؟ فَقَالَ: وَمَاذَا مِنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: بِجَوَابِكَ يَنْتَظِمُ سُؤَالِي، فَقَالَ لِي: دِيَةُ الْعَقْلِ أَلْفُ دِينَارٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، فَيَعْمِدُ الرَّجُلُ إِلَى مَا فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَيَبِيعُهُ بِزُجَيْجَةٍ تَسْوِي نِصْفَ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ يَزُولُ وَيَرْجِعُ، فَقُلْتُ لَهُ: بَعْدَ مَاذَا أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ؟ بَعْدَ أَنْ قَاءَ فِي لِحْيَتِهِ، وَكَشَفَ سَوْءَتَهُ إِلَى أَهْلِهِ، وَسَبَّ هَذَا، وَقَتَلَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، صَدَقْتَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَحَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَسَّانٍ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى الأَغْلَبِ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا الْجَعْفَرِيُّ وَالْعَنْبَرِيُّ، وَهُمَا يَتَنَاظَرَانِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْجَعْفَرِيُّ يُنْكِرُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ يَقُولُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَمَّا رَآنِي الْجَعْفَرِيُّ، قَالَ: قَدْ جَاءَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يُعِينُنَا عَلَيْكُمْ، فَلَمَّا أَنْ قَعَدْتُ قُلْتُ لِلْعَنْبَرِيِّ: مَا أَنْتَ وَذَا، هَذَا بَحْرٌ عَمِيقٌ عَلَيْكَ بِجِرْبَانِ الْبَصْرَةِ، يَعْنِي: النَّخْلَ، فَقَالَ لِلْجَعْفَرِيِّ: إِنْ كَانَ مَعَكَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَهَذَا الأَمِيرُ مَعِي، يَعْنِي: الأَغْلَبَ، فَقُلْتُ: وَمَا لِلْمُلُوكِ وَلِلْكَلامِ فِي الدِّينِ؟ فَأَحْفَظَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَتَى إِلَى السُّلْطَانِ فَهُوَ مِثْلُ السُّلْطَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا أَتَاكُمُ الآتِي لأَنَّكُمْ خَيْرٌ مِمَّنْ هُوَ شَرٌّ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَتَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ لأَتَاهُ النَّاسُ وَلَمْ يَأْتُوكُمْ، فَقَالَ: وَمَنْ خَيْرٌ مِنَّا؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَكَانَ حَسَنًا يَتْرُكُونَهُ وَيَأْتُونَكُمْ؟ لَوْ نَزَلَ عِيسَى أَتَاهُ النَّاسُ وَلَمْ يَأْتُوكُمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيِّ، قَالَ: كَانَ ابْنُ أَبِي حَسَّانٍ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَهْلُ
[ ٨٩ ]
الْحَدِيثِ: قَدْ جَاءَكُمُ الْمَشْئُومُ، فَكَانَ سُفْيَانُ يَمِيلُ إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهُ، وَيْشَغَلُهُ عَنِ النَّاسِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ الصُّمَادِحِيُّ، وَكَانَ أَجْرَأَنَا عَلَيْهِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَدْ قَالَ اللَّهُ، ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: تِلْكَ آيَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَعَذَابُ الْقَبْرِ آيَةٌ، فَسَكَتَ ابْنُ فَرُّوخَ.
قَالَ لِي أَبُو سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ فَرُّوخَ هَذِهِ الآيَةَ احْتِجَاجًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لا عَذَابَ فِي الْقَبْرِ وَلا حَيَاةَ إِلا حَيَاةُ الآخِرَةِ.