قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَرَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ رَجُلٌ صَالِحٌ مُبْرِزٌ، لا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ ثِقَةٌ مُسْتَجَابٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُصَيْفٌ الْحَافِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: غَيَّرَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، مُنْكِرًا عَلَى بَعْضِ أَعْوَانِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، فَخَرَقُوا فَرْوَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ لِنَرْفَعَ إِلَيْهِ أَمْرِي، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: اقْعُدْ يَا ضَعِيفُ، يَكْفِيكَ اللَّهُ مَئُونَتَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَقْبَلَ بِالَّذِينَ غَيَّرَ عَلَيْهِمُ الْبُهْلُولُ الْمُنْكَرَ، وَقَدْ ضُرِبَتْ ظُهُورُهُمْ، وَبُطُونُهُمْ، وَالْمُنَادِي يُنَادِي عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَتَعَرَّضُ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ وَالْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَرَجُونَةَ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ: " أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ أَخَذَ فِي الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْفُقَرَاءِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْدَلُسِيِّينَ أَتَى إِلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ، إِنَّ سَعِيدَ بْنَ لَبِيدٍ أَخَذَ مِنِّي جَارِيَةً لِي، فَأَخَذَ رَبَاحٌ عَصَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إِلَى دَارِ سَعِيدِ بْنِ لَبِيدٍ، فَوَجَدَ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ حَفُّوا بِبَابِهِ يَنْتَظِرُونَهُ، فَأَلْقَى عَصَاهُ بَيْنَهُمْ، وَجَلَسَ حَتَّى خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ رَاكِبًا مِنْ دَارِهِ، فَلَمَّا رَآهُ مَنْ كَانَ عَلَى بَابِهِ مِنْ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ نَهَضُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَلَبِثُ رَبَاحٌ جَالِسًا، فَقَصَدَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى رَبَاحٍ، وَرَبَاحٌ جَالِسٌ، وَجَعَلَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ يَقُولُ لِرَبَاحٍ فِي الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ قَامُوا لَهُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ: يَا أَبَا يَزِيدَ، هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ
[ ٤٥ ]
أَبْنَاءُ دُنْيَا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: يَا أَبَا يَزِيدَ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أُرْدُدْ عَلَى هَذَا الأَنْدَلُسِيِّ جَارِيَتَهُ، فَصَاحَ سَعِيدٌ بِجَارِيَةِ الأَنْدَلُسِيِّ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ فَقَبَضَهَا صَاحِبُهَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: دَخَلَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ، عَلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، وَعِنْدَ رَبَاحٍ عُوَّادُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَسَلَّمَ سَعِيدٌ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَبَاحٌ، فَأَقْبَلَ سَعِيدٌ عَلَى الْعُوَّادِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَبِي يَزِيدَ لا يُكَلِّمُنَا، فَقَالُوا: هُوَ نَائِمٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَبَاحٌ، فَقَالَ: «أَتَكْذِبُونَ عَلَيَّ، وَأَنَا أَسْمَعُكُمْ؟» فَقَامَ سَعِيدٌ مُغْضِبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: مَا مَرَّ عَلَيَّ قَطُّ مِثْلُ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ عَلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: هَبْنِي عَادَيْتُ لَكَ أَهْلَ الأَرْضِ، أَفَأُعَادِي لَكَ أَهْلَ السَّمَاءِ؟ تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ كَيْفَ يُعَادُ مِثْلُ رَبَاحٍ، فَرَكِبَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ مَعَ سَعِيدٍ فَدَخَلا عَلَى رَبَاحٍ، فَسَلَّمَ يَزِيدُ عَلَى رَبَاحٍ، فَلَمْ يَرُدَّ رَبَاحٌ، فَأَقْبَلَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، عَلَى عُوَّادِ رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا يَزِيدَ رَجُلٌ عَلِيلٌ، وَالْعَلِيلُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْكَلامُ، وَإِذَا أَجَبْتُمُونَا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُجِيبُ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ مَبِيتِهِ كَيْفَ كَانَ، وَكَيْفَ حَالُهُ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ جَعَلَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ رَبَاحٌ، ثُمَّ يُقْبِلُ يَزِيدُ عَلَى الْعُوَّادِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا يَزِيدَ عَلِيلٌ، وَالْعَلِيلُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْكَلامُ، وَإِذَا أَجَبْتُمُونَا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُجِيبُ، ثُمَّ يَسْأَلُهُمْ عَنْ مَبِيتِهِ، وَعَنْ حَالِهِ، فَكَانَ هَذَا دَأْبُهُ مَعَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى تُوُفِّيَ رَبَاحٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَشَائِخِنَا مِمَّنْ حَمَلَ الْعِلْمَ،
[ ٤٦ ]
أَنَّ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ لَبِيدٍ: أَخذ الْبَرِئ بِغَيْرِ. . . . . . . . عَلَى النُّطْقِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، مَنْ أَشَارَ بِهَذَا الرَّأْيِ الضَّعِيفِ، كَمْ تَلْبَثُ الْقُلُوبُ عَلَى هَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: طَلَبْتُ حَدِيثَهُ، فَمَا وَجَدْتُ مِنْهُ إِلا كِتَابًا وَاحِدًا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ سَمْعَانَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، قَالَ: " رَأَيْتُ أَرْبَعَةً مَا رَأَيْتُ فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُمْ، رَأَيْتُ ابْنَ عَوْنٍ بِالْبَصْرَةِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ الأَوْزَاعِيَّ بِالشَّامِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ بِالْكُوفَةِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَهَبْنَا إِلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَنَا: إِنَّهُ فِي الْفَحْصِ، فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ فَرَأَيْنَاهُ جَالِسًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غَدِيرُ مَاءٍ، قَلِيلٌ مُسْتَنْقَعٌ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَرَأَيْنَاهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وُضُوئِهِ إِلا غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَهُمَا فِي الْمَاءِ، فَلَمَّا رَآنَا رَفَعَ رِجْلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، فَأَتَيْنَا فَلَمْ نَرَ مَاءً وَلا أَثَرَ مَاءٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ، أَقْبَلَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَى الْبَزَّازِينَ، فَوَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ يَبِيعُ الْبَزَّ فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ وَجَعَلَ يُسَلِّمُ عَلَى الْبُهْلُولِ، وَيُكَنِّيهِ، وَعَلَى
[ ٤٧ ]
مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَيُكَنِّيهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: إِنَّا أَحْبَبْنَا سُكْنَى أَبِي يَزِيدَ رَبَاحٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ يَقْعُدَ فِي حَانُوتٍ، وَبَلَغَنَا عَنْ غُلامِكَ سَعِيدٍ حُسْنُ حَالٍ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْحَانُوتِ وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الشَّبَابَ الَّذِينَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّجُلِ: فُلانًا غُلامَ فُلانٍ، فَأَقْبَلَ صَاحِبُ الْحَانُوتِ عَلَى سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَبُنَيَّ، أَسَعِيدُ، هَذَا أَبُو عَمْرٍو الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، وَهَذَا فُلانٌ، وَهَذَا فُلانٌ، يُرِيدُونَ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ فِي خِدْمَةِ. . . . . . . وَالْبُهْلُول أَصْحَاب سَعِيدٍ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِالأَشْبَجِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْبَجِ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى حَانُوتٍ، وَفِيهِ حُصُرٌ جُدُدٌ، فَقَعَدَ فِيهِ حَتَّى أَتَى رَبَاحٌ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَذَكَرَ اللَّهَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى سَعِيدٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، يَا سَعِيدُ، لا أَرَاكَ إِلا وَأَنْتَ تُحِبُّ إِذَا اشْتَرَيْتَ، أَنْ يُسَهَّلَ عَلَيْكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، إِذَا أَتَاكَ الْمُشْتَرِي فَسَهِّلْ عَلَيْهِ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُسَهَّلَ عَلَيْكَ، وَمَا كُتِبَ لَكَ أَنْ تَنَالَهُ فَسَوْفَ تَنَالَهُ، فَلا تَفْعَلْ كَذَا، أَوْ لا تَفْعَلْ كَذَا، وَعَرَّفَهُ بِمَا يَدْخُلُ عَلَى مَنِ اشْتَرَى وَبَاعَ، ثُمَّ نَهَضَ عَنْهُ وَخَلَّفَهُ فِي الْحَانُوتِ، ثُمَّ جَعَلَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيُقْبِلُ إِلَيْهِ فَيَعِظُهُ بِمِثْلِ كَلامِهِ الأَوَّلِ، حَتَّى جَاءَهُ فِي آخِرِ تِلْكَ الأَيَّامِ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ، اذْهَبْ بِمَتَاعِي إِلَى دَارِ فُلانٍ التَّاجِرِ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: وَأَحْسَبُهُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفَ بِتَاجِرِ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ سَعِيدٌ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ التَّاجِرِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ رَبَاحٍ،
فَقَالَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، يُرِيدُ أَبُو يَزِيدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ رَبَاحٍ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» .
يُرِيدُ أَبُو يَزِيدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَمَكَثَ حَتَّى أَقْبَلَ النَّاسُ مِنْ جَنَازَةٍ
[ ٤٨ ]
شَهِدُوهَا فِي بَابِ سَلَمٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا بَلَغَكَ خَبَرُ رَبَاحٍ؟ شَهِدْنَا الْيَوْمَ مَعَهُ جَنَازَةً فِي بَابِ سَلَمٍ فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ، وَأُذِنَ لِلنَّاسِ فِي النُّهُوضِ، نَهَضَ رَبَاحٌ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَنْهَضُ إِذَا أُذِنَ لِلنَّاسِ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ سَلَمٍ أَبْصَرَ قَوْمًا مِنْ أَعْوَانِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى حَطَبٍ أَقْبَلَ بِهِ حَطَّابٌ، وَالْحَطَّابُ يَقُولُ لَهُمْ: مَالِي وَلَكُمْ؟ وَيَتَظَلَّمُ مِنْهُمْ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَبَاحٌ فَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ، فَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمُ النَّاسُ بَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: إِنَّمَا كَرِهَ أَبُو يَزِيدَ، أَنْ يَرَى الْمُنْكَرَ جَهَارًا، ثُمَّ نَهَض إِلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا عَنْكَ سَعِيدٌ بِمَا أَرْسَلْتَهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: مَا كَانَ اللَّهُ يَا أَبَا عَمْرٍو لِيَرَانِي أُقِيمُ بِبَلَدٍ يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا جَهَارًا، وَلا أَرَى مُغَيِّرًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْبُهْلُولِ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفَ بِتَاجِرِ اللَّهِ، أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ عِنْدِي ابْنَةً تَنَافَسَ فِيهَا أَهْلُ الدُّنْيَا، وَأَبْنَاءُ أَهْلِ الآخِرَةِ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُزَوِّجَهَا رَجُلا يُعِينُهَا عَلَى الآخِرَةِ، وَتُعِينُهُ عَلَى الدُّنْيَا، قَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: مَا أَحَقَّكَ بِذَلِكَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ رَبَاحًا، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: هُوَ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْبُهْلُولُ إِلَى رَبَاحٍ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أَظَنَنْتَ يَا بُهْلُولُ، أَنَّ الدُّنْيَا لَعِبَتْ بِي كَمَا لَعِبَتْ بِكَ وَبِنُظَرَائِكَ؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِنِّي لأَفِرُّ مِنَ الْغِنَاءِ، كَمَا تَفِرُّ أَنْتَ وَذَوُوكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا خِفْتُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَإِنَّمَا مَاتَ ابْنَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَرْبَعِينَ.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: وَكَانَ رَبَاحٌ إِذَا سَمِعَ الْخَادِمَ مِنْ جِيرَانِهِ بِاللَّيْلِ تَطْحَنُ،
[ ٤٩ ]
تَسَوَّرَ الْجِدَارَ عَلَيْهَا لِيَكْفِيَهَا مَئُونَةَ الطَّحِينِ، فَكَانَ قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ خَدَمُ جِيرَانِهِ، فَكَانَتِ الْخَادِمُ مِنْهُنَّ إِذَا رَأَتْهُ فِي اللَّيْلِ فِي دَارِهَا فَهِمَتْ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَحْمِلَ عَنْهَا مَئُونَةَ الطَّحِينِ، قَامَتْ تَرْقُدُ، وَخَلَّتِ الْمَطْحَنَةَ إِلَيْهِ يَتَوَلاهَا لَهَا، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: رُضْتُ نَفْسِي عَلَى تَرْكِ الْمَآثِمِ حَوْلا، فَبَعْدَ حَوْلٍ ضَبَطْتُهَا، وَرُضْتُ لِسَانِي عَلَى تَرْكِ مَا لا يَعْنِينِي فَبَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ضَبَطْتُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ: قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: إِنَّهُ لَيَغْلُبُ عَلَى ظَنِّي، أَنَّ هَذِهِ الرِّيَاضَةَ، إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ لَدُنْ بَلَغَ، لأَنَّهُ مَاتَ ابْنَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الاجْتِهَادِ، حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُنْتُ أُحِبُّ الصِّحَّةَ فَلَمَّا ضَعُفْتُ عَنِ الْعَمَلِ أَحْبَبْتُ الْمَرَضَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمَاتَ رَبَاحٌ قَبْلَ الْبُهْلُولِ، وَمَاتَ الْبُهْلُولُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، فِيمَا قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا بَعْضُ مَشَائِخِنَا، قَالَ: جَازَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ بِابْنِ غَانِمٍ وَبِيَدِ رَبَاحٍ قِسْطُ زَيْتٍ، فَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ لَهُ: أَحْمِلُهُ لَكَ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: شَأْنُكَ، وَابْنُ غَانِمٍ إِذْ ذَاكَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ يَشُقُّ بِهِ مَجَامِعَ النَّاسِ، فَسَلَكَ بِهِ عَلَى حَوَانِيتِ الْبَزَّازِينَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا قَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أَتَعْلَمُ لِمَ فَعَلْتُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: لا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجِدُ فِي نَفْسِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَضَعَ مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا يَزِيدَ عَنِّي خَيْرًا.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ اللَّبَّادِ: كَانَ
[ ٥٠ ]
ابْنُ غَانِمٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هِمَّةً فِي نَفْسِهِ، يُجِيدُ اللِّبَاسَ، لَقَدْ مَاتَ فَأَصَابُوا لَهُ كِسًى قُوِّمَتْ بِأَلْفِ دِينَارٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمَنَاقِبُ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، قَالَ: كَانَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، يَأْتِي كُلَّ جُمُعَةٍ إِلَى ابْنِ غَانِمٍ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ قَاضٍ فَيَدْعُو، وَكَانَ رَبَاحٌ رَقِيقَ الْعُرُوقِ، فَجَعَلَ يَوْمًا يَدْعُو فَانْثَنَتْ عُنُقُهُ، فَاسْتَضْحَكَ ابْنُ غَانِمٍ، وَتَمَادَى رَبَاحٌ فِي الدُّعَاءِ، وَتَمَادَى ابْنُ غَانِمٍ فِي الضَّحِكِ، حَتَّى نَهَضَ رَبَاحٌ، فَظَلَّ جُلاسُ ابْنِ غَانِمٍ عِنْدَهُ، يَعْذِلُونَهُ لِمَا كَانَ مِنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ رَبَاحٌ يُضْحَكُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَمْسِكُوا، إِنَّمَا غَمِّي أَنَّ الْعَدُوَّ لَمَّا عَلِمَ مَا عَرَفْتُهُ مِنَ الْخَيْرِ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ، قَالَ الشَّيْخُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَقْبَلَ رَبَاحٌ، كَمَا كَانَ قَبْلُ، فَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ، فَظَهَرَ عَلَى ابْنِ غَانِمٍ مِنَ الرِّقَّةِ وَالْخُشُوعِ، أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ الضَّحِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، أَوْ قَالَ: ظَهَرَ عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْقَضَى دُعَاؤُهُ أَقْبَلَ ابْنُ غَانِمٍ عَلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا يَزِيدَ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْكَ إِنَّمَا حَرَّكَكَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ لِيَقْطَعَ مَا عَرَفْتَهُ مِنَ الْخَيْرِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ لِرَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ أَخٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ تَنَحَّى
[ ٥١ ]
مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَزِمَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَكَرِهَ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدٍ يُعْرَفُ بِهِ.