قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ يُكْنَى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ، كَانَ أَوَّلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ مِنْ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ قَدْ عُلِّمَ الْقُرْآنَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى وَادِي بَجَرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبِي أَحْمَدُ بْنُ تَمِيمٍ رَحِمَهُ
[ ٨١ ]
اللَّهُ، يَوْمَ اخْتَلَفَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ بِتُونُسَ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْعِلْمَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ مُوَطَّأَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَبَا يُوسُفَ، وَأَسَدَ بْنَ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَغَيْرَهُمْ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَالْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَلَقَدْ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو يُوسُفَ: لَقَدْ قَدِمْتُ بِمُوَطَّأِ مَالِكٍ أعطيته " فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: «إِنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرْضَى مِنَ الْعِلْمِ بِشَمَّةٍ فَأَعْطَيْتُهُ أَنَا» قَالَ: فَأَخَذَهُ عَنِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ أَسَدٌ ثِقَةً لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْبِدَعِ.
لَقَدْ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسُحُنونٍ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ، قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: وَاللَّهِ مَا قَالَهُ، وَلَوْ قَالَهُ مَا قُلْنَاهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فِيهِ رُؤْيَةُ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُلَيْمَانُ الْفَرَّاءُ فِي مُؤَخَّرِ الْمَجْلِسِ، فَتَكَلَّمَ الْفَرَّاءُ وَأَنْكَرَ، فَسَمِعَهُ أَسَدٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ وَجَمَعَ بَيْنَ طَوْقِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ بِنَعْلِهِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا حَتَّى أَدْمَاهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: رَأَيْتُ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ يَعْرِضُ التَّفْسِيرَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣-١٤]، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ أَسَدٌ: وَيْحٌ لأَهْلِ الْبِدَعِ هَلَكَتْ هَوَالِكُهُمْ، يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ، جَلَّ وَعَزَّ، خَلَقَ كَلامًا يَقُولُ ذَلِكَ الْكَلامُ الْمَخْلُوقُ: ﴿أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ [طه: ١٤]؟ قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا مُوسَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ [طه: ١٤]، وَضَعَ سُلَيْمَانُ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَهَكَذَا
[ ٨٢ ]
صَنَعَ أَسَدٌ، وَحَكَى عَنْ أَسَدٍ نَحْوًا مِنْ حِكَايَةِ جَبَلَةَ بْنِ حَمُّودٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي ابْنُ سَمَاعَةَ، قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ الْفَرَّاءِ: أَتَقُولُ فِي السَّمَاعِ مِنْ أَسَدٍ إِذْ لَمْ تُكْثِرْ؟ فَقَالَ: كَانَ ثَوْرًا لأَنَّهُ خَالَفَ رَأْيَهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ كَانَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ وَلَّى أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَى صَقَلِيَّةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: كَرِهَ عُلَمَاءَ إِفْرِيقِيَّةَ غَزْوَ صَقَلِّيَّةَ، لِعَهْدٍ كَانَ لَهُمْ قَدِيمًا لا أَسَدًا، فَخَرَجَ أَسَدٌ عَلَى الْجَيْشِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشَرَ وَمِائَتَيْنِ، فَمَاتَ بِصَقَلِّيَّةَ وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ فَتْحَهَا، فَافْتَتَحَهَا بَعْدَهُ ابْنُ فَرْهَبٍ، وَكَانَتْ وَفَاةُ أَسَدٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ: سَنَةَ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدِمَ أَسَدٌ مِنَ الْمَشْرِقِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ.