قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَبُو عَمْرٍو الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ كَانَ ثِقَةً، مُجْتَهِدًا، وَرِعًا، لا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ، سَمِعَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَمِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَمِنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، وَمِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمِنَ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، أَحْسَبُهُ سَمِعَ مِنْهُ لَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ إِفْرِيقِيَّةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا رَوَى (جَامِعَ سُفْيَانَ الْكَبِيرَ) الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ: قُومُوا بِنَا نَذْهَبُ إِلَى ابْنِ خَارِجَةَ، عَنْبَسَةَ بْنِ خَارِجَةَ، نَسْمَعُ مِنْهُ جَامِعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، يَعْنِي: جَامِعَهُ فِي الرَّأْيِ، وَقَدْ سَمِعَ الْبُهْلُولُ مِنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِمَكَّةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ ذَكَرَ حَمْدِيسٌ الْقَطَّانُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: كَانَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، وَرَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَكَانَ الذِّكْرُ لِرَبَاحٍ، فَلَمَّا مَاتَ عَادَ الذِّكْرُ لِلْبُهْلُولِ، فَمَا ذَاكَ إِلا مِنْ خَبِيئَةٍ، كَانَتْ لِلْبُهْلُولِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّبَّادُ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْبُهْلُولِ، أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي مَكَانِهِمَا إِذْ أَقْبَلَ بَقِيَّةُ أَخُو الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَجَعَلَ يَلْهَجُ بِخَبَرِ الْمَطَرِ وَالزَّرْعِ، وَالْبُهْلُولُ يَتَقَلَّى، وَيَتْلَوَّنُ اغْتِمَامًا لِرَبَاحٍ لِعِلْمِهِ
[ ٥٢ ]
بِأَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ ذِكْرَ الدُّنْيَا، وَأَسْبَابِهَا، فَلَمَّا أَكْثَرَ بَقِيَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْمَطَرِ وَالزَّرْعِ نَهَضَ رَبَاحٌ وَجَعَلَ يَقُولُ لِلْبُهْلُولِ: سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِي، تَذْكُرُ الدُّنْيَا فِي مَجْلِسِكَ وَلا تُنْكِرُ وَلا تُغَيِّرُ؟ فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: مَا أُبَالِي إِذَا لَمْ أَسْقُطْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، مِنْ عَيْنِ مَنْ سَقَطْتُ، فَخَرَّ رَبَاحٌ عَلَى رَأْسِ الْبُهْلُولِ يُقَبِّلُهُ وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: نَعَمْ، أَحَبِيبِي، أَبُهْلُولٌ، فَلا تُبَالِ مِنْ عَيْنِ مَنْ سَقَطْتَ إِذَا لَمْ تَسْقُطْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ حَاتِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: " خَرَجَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ غَطَّى خِنْصَرَهُ بِكَفِّهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَسَرَّ إِلَيْهِ كَلامًا دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَكَلَّمَهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِكَلامٍ، فَنَحَّى الْبُهْلُولُ كَفَّهُ، عَنْ خِنْصَرِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي أَبْتَدِعُ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: حَدِّثِ الْقَوْمَ بِمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَقَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ أَسْأَلُهُ، هَلْ كَانَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ إِذَا أَوْصَى بِحَاجَةٍ رَبَطَ فِي خِنْصَرِهِ خَيْطًا؟ فَتَوَجَّهْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَ الْقَوْمَ، قَالَ الْبُهْلُولُ: إِنَّ أَهْلِي سَأَلُونِي فِي حَاجَةٍ فَرَبَطْتُ فِي خِنْصَرِي خَيْطًا لأَذْكُرَهَا، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ أَكُونَ ابْتَدَعْتُ، فَلَمَّا أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ لَمْ أَكُنِ ابْتَدَعْتُ بِدْعَةً.
[ ٥٣ ]
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَقَدْ سَمِعَ مِنَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ وُجُوهُ مَشَائِخِ إِفْرِيقِيَّةَ: سُحْنُونٌ، وَعَوْنُ بْنُ يُوسُفَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَفَرِيُّ، وَلَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ مِنْ بُهْلُولٍ حَدِيثًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْبُهْلُولِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ، يَقُولُ: " مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ عِنْدَ الْجِهَادِ إِلا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ، عِنْدَ طَلَبِ الْعِلْمِ، إِلا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ زَيْدَ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبُهْلُولَ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ ﵎ الْعُلَمَاءَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ بِسُورٍ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنِّي لَمْ أَضَعْ حِكْمَتِي فِيكُمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَكُمْ، تَعَافَوْا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ»، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ أَبُو سِنَانٍ، فَقِيلَ لِلْبُهْلُولِ: وَمَا مَعْنَى: تَعَافَوْا؟ فَقَالَ الْبُهْلُولُ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فُلانٌ لَيْسَ يَعْرِفُ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، يَقُولُ: كُنْتُ رُبَّمَا سَمِعْتُ بُهْلُولَ مِنْ دَارِكُمْ وَهُوَ يَهْذِرُ، يَقُولُ: «السُّنَّةُ السُّنَّةُ، وَيُلِحُّ عَلَيْهَا» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جُزْتُ بِسَقِيفَةِ الْعِرَاقِيِّ، وَهُمْ يَتَنَاظَرُونَ فِي الاعْتِزَالِ، فَوَقَفْتُ أَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بُهْلُولا، فَلَمَّا جِئْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، بَلَغَنِي أَنَّكَ مَرَرْتَ بِسَقِيفَةِ الْعِرَاقِيِّ وَهُمْ يَتَنَاظَرُونَ فِي الْقَدَرِ، فَوَقَفْتَ إِلَيْهِمْ تَسْتَمِعُ مِنْهُمْ، وَأَغْلَظَ عَلَيَّ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَامِلٍ، قَالَ: صَحِبْتُ الْبُهْلُولَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ الْقَاضِي، فَدَخَلْنَا إِلَيْهِ وَقْتَ الْمَغِيبِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا الْمَاءَ لِغَسْلِ أَيْدِي مَنْ
[ ٥٤ ]
كَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ، فَغَسَلُوا وَغَسَلَ الْبُهْلُولُ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَهُمَا الْبُهْلُولُ عَلَى الْمَائِدَةِ وَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: مَا لَكَ لا تَأْكُلُ أَمَا كُنْتَ صَائِمًا؟ فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لا أَصُومُ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: أفسطان أَنَا طَعَامِي حَرَامٌ؟ فَجَعَلَ الْبُهْلُولُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: طَعَامُكَ لا أَجِدُ فِي بَيْتِي مِثْلَهُ، وَإِنْ تَكَلَّفْتُهُ شَقَّ عَلَيَّ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا يَشُقُّ عَلَيَّ، وَابْنُ غَانِمٍ يَهْذِرُ وَيُعِيدُ عَلَيْنَا كَلامَهُ الأَوَّلَ وَالْبُهْلُولُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَلا يَزِيدُ عَلَى كَلامِهِ الأَوَّلِ أَبَدًا حَتَّى فَرَغَ الْقَوْمُ مِنَ الأَكْلِ، ثُمَّ خَرَجَ بُهْلُولٌ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُ مَا كَانَ مِنَ ابْنِ غَانِمٍ إِلَيْهِ، وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى بَلَغْنَا سُوقَ الْيَهُودِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَصِيبٌ الْحَيَّانِيُّ، عَنْ سَعْدُونِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا بِرَجُلٍ يَسْأَلُ وَيَقُولُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَعْرِفُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا، وَقَالَ: أَوْصِلْهُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَرَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَفَضَّهُ فَإِذَا فِيهِ: مِنَ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ مَجَنَتْ مُجُونًا لَمْ تَمْجُنْهُ إِلا هِيَ، قَالَتْ: ثُمَّ إِنِّي تُبْتُ إِلَى اللَّهِ، ﷿، وَسَأَلْتُ عَنِ الْعِبَادِ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ، فَوُصِفَ لِي أَرْبَعَةٌ: بُهْلُولٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ رَابِعُ الثَّلاثَةِ، فَسَأَلْتُكَ بِاللَّهِ يَا بُهْلُولُ أَلا دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ مَا فَتَحَ لِي فِيهِ؟ قَالَ دَحْيُونٌ: فَسَقَطَ الْكِتَابُ مِنْ يَدِهِ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى لَصِقَ الْكِتَابُ بِطِينِ دُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُهْلُولُ، ذَكَرْتَ بِسَمَرْقَنْدَ خُرَاسَانَ، الْوَيْلُ لَكَ يَا بُهْلُولُ مِنَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَسْتُرْ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ
[ ٥٥ ]
مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵀، يَقُولُ: كَانَ لِقَوْمٍ مِنَ النَّخَّاسِينَ عَلَى بُهْلُولٍ، ﵀، عِشْرُونَ دِينَارًا، وَكَانَتْ لِبُهْلُولٍ مَعَ دَحْيُونٍ عِشْرُونَ دِينَارًا مِثْلُهَا، فَوَقَفَ بِبُهْلُولٍ سَائِلٌ، فَقَالَ لِدَحْيُونٍ: ادْفَعْ إِلَيْهِ مِنْهَا دِينَارًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْعِشْرِينَ، فَقَالَ لَهُمْ بُهْلُولٌ: حَضَرَ مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ قَالَ لِدَحْيُونٍ: عُدَّهَا عَلَيْهِمْ، فَعَدَّهَا دَحْيُونٌ، فَأَصَابَهَا عِشْرِينَ، فَقَالَ دَحْيُونٌ لِبُهْلُولٍ: «أَرَاهَا عِشْرِينَ» فَقَالَ لَهُ بُهْلُولٌ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَرَاكَ لا تُحْسِنُ الْعَدَّ، كَالْكَارِهِ لأَنْ يَتَبَيَّنَ مِثْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَأَخَذَهَا مِنْ دَحْيُونٍ، وَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ عِشْرُونَ، فَجَعَلَ بُهْلُولٌ، يَقُولُ لَهُ: «فَإِنَّهَا فَإِنَّهَا عِشْرُونَ» .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَفَعَ الْبُهْلُولُ دِينَارَيْنِ لِرَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِمَا مِنَ السَّاحِلِ زَيْتًا، وَيَسْتَعْذِبَهُ لَهُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إِلَيْهِ يَسْأَلُ عَنِ الزَّيْتِ حَتَّى ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ عِنْدَ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ وَلَيْسَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَيْتٌ أَعْذَبُ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِالدِّينَارَيْنِ، فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَسْأَلُ عَنِ الزَّيْتِ الْعَذْبِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَرَدْتُهُ لِبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: فَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِبُهْلُولٍ، كَمَا تَتَقَرَّبُونَ أَنْتُمْ إِلَى اللَّهِ بِهِ، فَأَعْطَاهُ بِدِينَارَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّيْتِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَيْتٌ أَعْذَبُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يُبَاعُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الزَّيْتِ الدُّونِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى بُهْلُولٍ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ اشْتَرَى زَيْتًا، لَمْ يُخَلِّفْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ زَيْتًا أَعْذَبَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ أَخَذَ بِالدِّينَارَيْنِ مِقْدَارَ مَا يَشْتَرِي بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الزَّيْتِ الدُّونِ، فَسَأَلَهُ بُهْلُولٌ: كَيْفَ تَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ مَعَ
[ ٥٦ ]
النَّصْرَانِيِّ، وَبِقَوْلِ النَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: قَدْ قَضَيْتَ حَاجَةً فَأَقْضِ لِي أُخْرَى، رُدَّ عَلَيَّ دِينَارَيَّ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَلِمَ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، ﷿: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فَخَشِيتُ أَنْ آكُلَ مِنْ زَيْتِ النَّصْرَانِيِّ، فَتَحْدُثَ لَهُ مَوَدَّةٌ فِي قَلْبِي، فَأَكُونَ مِمَّنْ وَادَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، عَلَى عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا يَسِيرٍ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ غُزَيْلِ سَرِيَّةِ الْبُهْلُولِ، قَالَتْ: أَقَمْتُ مَعَ الْبُهْلُولِ ثَلاثِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْتُهُ نَزَعَ ثَوْبَهُ عَنْ جَسَدِهِ قَطُّ، وَلا رَأَيْتُهُ مُصَلِّيًا نَافِلَةً قَطُّ، كَانَ يَأْتِي إِلَيَّ فَيُرْقِدُنِي كَمَا تُرْقِدُ الأُمُّ ابْنَهَا ثُمَّ يَدْخُلُ الْمُسْتَرَاحَ فَيَتَهَيَّأَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى غُرْفَتِهِ فَيُغْلِقُهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَمَا كُنْتُ أَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ رُبَّمَا أَسْمَعُ سَقْطَتَهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، فَأَظُنُّ أَنَّهُ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا فَسَقَطَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ، عَنْ [. . . . . . . . . .] فَاضِلا، وَهُوَ مِنْ بَنِي كَامِلٍ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ بُهْلُولٍ، جَنَازَةً فَأُغْلِقَ بَابُ أَبِي الرَّبِيعِ دُونَنَا، فَقَرَعْنَا، فَقَالَ الْبَوَّابُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَقُلْنَا: بُهْلُولٌ وَأَصْحَابُهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: بُهْلُولٌ، بُهْلُولٌ الْكَذِرُ، يَعْنِي: الْقَذِرَ، وَرَدَّدَهَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّاءَ الْحَفَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ بُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ وَهُوَ يَتَفَلَّى، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَتَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلأُخْرَى: أَتُرِيدِينَ أَنْ أُرِيَكِ بُهْلُولا؟ فَقَالَتْ لَهَا صَاحِبَتُهَا: نَعَمْ، قَالَتْ لَهَا: هَذَا الَّذِي يَتَفَلَّى، فَقَالَتْ لَهَا: تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ.
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ بُهْلُولٌ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ مَنْ عَرَفَنِي.
هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَرَفَتْنِي.
[ ٥٧ ]
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ بُهْلُولٍ طَعَامٌ، فَغَلا السِّعْرُ، فَأَمَرَ بِهِ فَبِيعَ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ نِصْفَ رُبْعِ الْقَفِيزِ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ وَتَشْتَرِي، فَقَالَ: نَفْرَحُ إِذَا فَرِحَ النَّاسُ وَنَحْزَنُ إِذَا حَزِنُوا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرِ بْنِ يَحْيَى الْجُذَامِيُّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، عَنْ بُهْلُولِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْشَى لِلَّهِ مِنَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ يُوسُفَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: صَنَعَ الْبُهْلُولُ طَعَامًا وَأَحْضَرَ لَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا الطَّعَامَ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ يُصْنَعُ لَهُ الطَّعَامُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ خَائِفًا أَنْ أَكُونَ مِنَ الْبَرْبَرِ لِمَا جَاءَ فِيهِمْ مِنَ الْحَدِيثِ، فَسَأَلْتُ عَنْ أَصْلِي مَنْ يَعْلَمُهُ، فَأُخْبِرْتُ أَنِّي لَسْتُ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَأَحْدَثْتُ لِذَلِكَ هَذَا الطَّعَامَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَرْجُونَةَ، قَالَ: اسْتَقْفَيْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَضُرِبْتُ بِمَقْرَعَةٍ، فَأَخْبَرْتُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ مِنَ الْغَدِ، وَقُلْتُ: إِنِّي اسْتُقْفِيتُ وَنُزِعَ عَنِّي أَسْمَالِي، قَالَ: فَأَكَبَّ عَلَيَّ يَسْأَلُنِي أَنْ أَجْعَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِي فِي حِلٍّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَعَلُوا بِي وَفَعَلُوا، وَأَجْعَلُهُمْ فِي حِلٍّ؟ فَقَالَ لِي: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِكَ؟ قَالَ أَبُو زَرْجُونَةَ: فَلَمْ يَزَلْ يَلْطِفُ بِي وَيَسْأَلُنِي حَتَّى جَعَلْتُهُمْ فِي حِلٍّ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيَّ، بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ حَاجِبُهُ بُهْلُولا، وَأَوْهَمَ الْعَكِّيَّ أَنَّهُ لَيْسَ كَبِيرَ بَالٍ، وَأَنَّهُ يَقَعُ فِي سُلْطَانِكَ، فَبَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ عَرَفَ بِفَضْلِهِ فَاغْتَمَّ، وَقَالَ لابْنِ غَانِمٍ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي بُهْلُولا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: أَمَّا عَلَيَّ أَنْ يَأْتِيَكَ فَلا، وَلَكِنِّي
[ ٥٨ ]
أَسْتَدْعِيهِ إِلَيَّ، وَاسْتَشْرِقْ أَنْتَ حَتَّى تَرَاهُ، فَفَعَلَ وَقَعَدَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَيْثُ يَرَى بُهْلُولا إِذَا أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ غَانِمٍ، وَكَانَ طَرِيقُهُ فِي سُوقِ دَارِ الإِمَارَةِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ بُهْلُولٌ بَصُرَ بِهِ الْعَكِّيُّ، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي بُهْلُولٍ: تَبَارَكَ اللَّهُ، كَأَنَّهُ وَاللَّهِ، سُفْيَانُ فِي ثِيَابِهِ، يَعْنِي: سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵀، يَقُولُ: لَمَّا انْطُلِقَ بِبُهْلُولٍ إِلَى الْعَكِّيِّ أَدْرَكْتُهُ عِنْدَ السِّيُورِيِّينَ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ يُعْرَفُ الشَّرُّ فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَسَرُّوا إِلَيْهِ كَلامًا لَمْ أَسْمَعْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُمْ بِنَفَرٍ: لا، لا وَيُكَرِّرُهَا، قَالَ أَبِي: فَخِلْتُ بِهِمْ أَنَّهُمُ اسْتَاذَنُوهُ فِي الْخُرُوجِ فَنَهَاهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اذْهَبْ بِكُتُبِي إِلَى دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، أَوْ قَالَ: قُلْ لِدَحْيُونٍ يَضُمُّ كُتُبِي إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الشَّكُّ مِنِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ الْكُوفِيِّ السَّاكِنِ بِالْمُنَسْتِيرِ، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ مَعَ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، وَكُنَّا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ فَارِسٍ، تُقْضَى لَنَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَتَانِ نَرْفَعُ فِيهِمَا رُقْعَةً، وَنَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْحَاجِبِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ بُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ ضُرِبَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَأَتَيْنَا بِأَسْرِنَا إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا أَبْصَرْنَا حَاجِبَ الْخَلِيفَةِ، وَأَخْبَرَنَا، قَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ فَقُلْنَا لَهُ: كَانَتْ لَنَا حَاجَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ، وَقَدْ جَعَلْنَا حَوَائِجَنَا كُلَّهَا مَا دُمْنَا فِي نُصْرَةِ بُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ الْعَكِّيَّ ضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ، فَقَالَ لَنَا الْحَاجِبُ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي دَمِ الْعَكِّيِّ، لَيْسَ يَبْلُغُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْعَكِّيَّ ضَرَبَ بُهْلُولا إِلا أَمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ، وَكَيْفَ يُضْرَبُ بُهْلُولٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ إِلا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ؟ وَلَكِنِ امْكُثُوا فَإِنْ صَحَّ خَبَرُ الْعَكِّيِّ وَضَرْبُهُ إِيَّاهُ أَمْكَنَكُمْ أَنْ تَرْفَعُوا
[ ٥٩ ]
خَبَرَهُ، وَإِنْ بَطُلَ هَذَا الْخَبَرُ عُوفِيتُمْ أَنْ تَشِيطُوا بِدَمِ الْعَكِّيِّ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ: فَفَهِمْنَا أَنَّ [. . . . . . .] قَالَ: فَانْصَرَفْنَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ أَقْبَلَ فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، وَبُهْلُولٌ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى عَمُودٍ بِإِزَاءِ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا قَابَلَهُ هَرْثَمَةُ، وَهُوَ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ إِذْ ذَاكَ انْحَنَى لِلنُّزُولِ إِلَى بُهْلُولٍ فَلَمْ يُزِحْ بُهْلُولٌ ظَهْرَهُ عَنِ الْعَمُودِ، فَلَمَّا رَآهُ هَرْثَمَةُ لَمْ يَتَحَرَّكْ لِلنُّهُوضِ إِلَيْهِ اسْتَوَى فِي السَّرْجِ، وَأَقْبَلَ عَلَى بَعْضِ مَنْ كَانَ يَلِيهِ، فَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا الْمِزْوَدَ بِالدَّرَاهِمِ، وَقُلْ لَهُ: قَالَ لَكَ الأَمِيرُ: فَرِّقْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ بُهْلُولٌ: الأَمِيرُ أَقْوَى عَلَى تَفْرِيقِهَا مِنِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵁، يَقُولُ: كَانَ بُهْلُولٌ مِنْ أَغْيَرِ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ دَارَهُ رَجُلٌ غَيْرِي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمِّي، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا، تَقُولُ: وُجِّهْتُ إِلَى بُهْلُولٍ وَأَنَا طِفْلَةٌ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: تَبَارَكَ اللَّهُ نَزَعَ بِهَا الشَّبَهُ، ثُمَّ وَهَبَ لِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَبَلَغَنِي مِنْ غَيْرِ خَبَرِ أُمِّي، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْبِسُ مَا فَوْقَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ عَنْ [. . . . . . . .] قَالَ: جِئْتُ إِلَى بُهْلُولٍ وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ابْنَتُهُ عَلَيْهَا ثِيَابٌ مَصْبُوغَةٌ، وَهِيَ طِفْلَةٌ، فَقَالَ لِي: مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا مِثْلَ حُبِّي لَهَا، وَإِنِّي لأُحِبُّ لَوْ قَدَّمْتُهَا لِرَبِّي، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَصَبْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى بَابِهِ، فَقُلْتُ:
[ ٦٠ ]
مَا لِلنَّاسِ مُجْتَمِعُونَ؟ فَقَالُوا: تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ بُهْلُولٍ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَزَّيْتُهُ وَوَلَّيْتُ عَنْهُ لَحِقَنِي، فَقَالَ لِي: بِاللَّهِ لا تَذْكُرْ مَا كَانَ مِنِّي مَا دُمْتَ حَيًّا، يَعْنِي: مِنْ تَمَنِّيهِ فِي صَدْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ مَوْتِ ابْنَتِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لا ذَكَرْتُهُ مَا دُمْتُ حَيًّا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: كَانَ الْبُهْلُولُ مَعَ عَبْدِ الْمُتَعَالِ الْقَصْطَلانِيِّ بِبَابِ ابْنِ غَانِمٍ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ لِعَبْدِ الْمُتَعَالِ: ادْخُلْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُتَعَالِ: إِنَّمَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَأَنَا لا أَعْرِفُهُ، فَدَخَلَ الْبُهْلُولُ، وَثَبُتَ لَهُ عَبْدُ الْمُتَعَالِ حَتَّى خَرَجَ الْبُهْلُولُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ يَتَهَيَّأُ لَكَ شُدَّاخُ تَوْزَرَ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ جُزْتَ بِبَابِهِ، وَلَمْ تَدْخُلْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ؟ كَذَا قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: مَنَاقِبُ بُهْلُولٍ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّا نَكْرَهُ التَّطْوِيلَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَاتَ الْبُهْلُولُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَقَبْرُهُ بِبَابِ سَلَمٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.