قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ الْفَارِسِيُّ، كَانَ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ مُسِنًّا مِمَّنْ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَلَقِيَ بِالْمَشْرِقِ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَقَدْ لَقِيَ أَيْضًا أَبَا حَنِيفَةَ، وَلَقِيَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَمَلَ عَنْ سُفْيَانَ، مِنْهُمْ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَكَانَ يُكَاتِبُ مَالِكًا، وَكَانَ مَالِكٌ يَعْرِفُهُ وَيُكَاتِبُهُ بِجَوَابِ مَسَائِلِهِ، وَكَانَ ثِقَةً فيِ حَدِيثِهِ، وَتَعَافَى مِنَ الْقَضَاءِ لَمَّا وَلِيَ، وَقَدْ لَقِيَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَهِشَامَ بْنَ حَسَّانٍ وَالأَكَابِرَ، وَرُمِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ حَتَّى تَبَيَّنَتْ بَرَاءَتُهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: ذَكَرَ حَمْدِيسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَطَّانُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: مَاتَ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: الرَّفَّاءُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبُهْلُولِ ابْنِ رَاشِدٍ، وَكَانَ فَاضِلا، فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَانِمٍ، وَالْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، وَابْنُ فَرُّوخَ، فَأَتَى بِجَنَازَتِهِ وَجَنَازَةِ ابْنِ صَخْرٍ الْمُعْتَزَلِيِّ، فَصَلَّى عَلَى الرَّفَّاءِ، ثُمَّ قَدِمَ ابْنُ صَخْرٍ، فَقَالُوا لابْنِ غَانِمٍ: الْجَنَازَةُ، فَقَالَ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ قَدِّمُوا دَابَّتِي، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ لابْنِ فَرُّوخَ: الْجَنَازَةُ، فَقَالَ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٍ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْبُهْلُولِ: الْجَنَازَةُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ
[ ٣٤ ]
بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَذَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا عُرِفَ لابْنِ فَرُّوخَ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ يُقَالُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ، أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنَ فَرُّوخَ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، فَلَمَّا جَاءَهُ، قَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرَى الْخُرُوجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: نَعَمْ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى رَوْحٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: أَرَى ذَلِكَ مَعَ ثَلاثِ مِائَةِ رَجُلٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ عِدَّةِ أَصْحَابِ بَدْرٍ، كُلُّهُمْ أَفْضَلُ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَوْحٌ: قَدْ أَمَّنَّاكَ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْنَا أَبَدًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ فَأُقْعِدَ فِي الْجَامِعِ، وَأَمَرَ بِالْخُصُومِ فَأُجْلِسُوا حَوْلَهُ، فَجَعَلَ الْخُصُومُ يُكَلِّمُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ لَهُمُ: ارْحَمُونِي يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَوْحًا فَعَافَاهُ وَخَلَّى عَنْهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ ذَكَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ نَحْوَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فِي ابْنِ فَرُّوخَ، وَكَانَ ابْنُ فَرُّوخَ قَدْ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيِّ، وَكَانَ الْعَكِّيُّ رَجُلَ سُوءٍ وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ، فَوَعَدَ ابْنُ فَرُّوخَ أَصْحَابَهُ، أَنْ يُوَافُوهَ لِلْخُرُوجِ بِبَابِ تُونُسَ، وَذَهَبَ ابْنُ فَرُّوخَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَاعَدَهُمْ فِيهِ فَتَخَلَّفُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوَافِهِ إِلا مُحَمَّدُ بْنُ يَسُوتَا، وَأَبُو مُحْرِزٍ الْقَاضِي، فَرَجَعَ وَلَمْ يَخْرُجْ.
وَلَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْمَعَافِرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ بِمَسَائِلَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ غَانِمٍ أَقْضِيهِ، فَقَالَ لِي: «مَا قَالَ فِيهَا الْمُصَفِّرُ»، يَعْنِي: الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ؟ وَمَا قَالَ فِيهَا الْفَارِسِيُّ، يَعْنِي: ابْنَ فَرُّوخَ؟ قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ الأَجْوِبَةَ، وَكَتَبَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ: " وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ إِذَا أُقِيمَتْ حُدُودُهُ.
[ ٣٥ ]
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ، مَعْمَرُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَاتَ ابْنُ فَرُّوخَ بِمِصْرَ وَدُفِنَ بِالْمُقَطَّمِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: «مَاتَ ابْنُ فَرُّوخَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ سَمِعَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا، يَعْنِي: سُحْنُونًا، أَنَّهُ نَظَرَ فِي رِسَالَةِ مَالِكٍ إِلَى ابْنِ فَرُّوخَ، وَكَانَ ابْنُ فَرُّوخَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بَلَدَنَا كَثِيرُ الْبِدَعِ، وَأَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كَلامًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الرِّسَالَةِ: «إِنَّكَ إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ خِفْتَ أَنْ تَذِلَّ وَتَهْلِكَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلا مَنْ كَانَ عَالِمًا ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ، لَيْسَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا لا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ، فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ، أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَطْغَوْا، وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ نَصْرٍ، صَاحِبُ مَظَالِمِ سُحْنُونٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: ذَهَبْتُ مَعَ أَخِي حَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، وَكَانَ يَسْمَعُ مِنَ ابْنِ فَرُّوخَ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يُمَازِحُ الطَّلَبَةَ حَوْلَهُ فَمَجَّهُ قَلْبِي، أَوْ كَمَا قَالَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، عَنْ سُحْنُونٍ، عَنْ أَخِيهِ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ، بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَا ابْنَ فَرُّوخَ رَجُلٌ إِلَى طَعَامٍ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَأَتَاهُ بِنَبِيذٍ، فَشَرِبَ، فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ فَرُّوخَ، فَأَذَّنَ لِلصَّلاةِ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي دَعَاهُ: أَلَمْ تُحَدِّثْنَا أَنَّ الْحَسَنَاتِ تَتَنَاثَرُ مِنْ وَجْهِ
[ ٣٦ ]
الرَّجُلِ إِذَا احْمَرَّ وَجْهُهُ مِنَ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: قَدْ كُنَّا أَغْنِيَاءَ عَنْ طَعَامِكَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ: خَرَجَ ابْنُ فَرُّوخَ الْخَرْجَةَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.