وَمُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَبُو جَعْفَرٍ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيُّ، مَوْلَى جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ، كَانَ ثِقَةً، مَأْمُونًا، عَالِمًا بِالْحَدِيثِ، كَثِيرَ الأَخْذِ عَنِ الرِّجَالِ الْمَدَنِيِّينَ، وَالْكُوفِيِّينَ، وَالْبَصْرِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، يَطُولُ بِذِكْرِهِمُ الْكِتَابُ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ: رَحَلَ مُوسَى فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَأَظُنُّهُ قَدِمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ عَمِيَ بَعْدَ قُدُومِهِ بِيَسِيرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُحْنُونٍ فِي الْمَوْلِدِ لَيْلَةٌ، هَكَذَا قَالَ حَمْدِيسٌ الْقَطَّانُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: فَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ لِي: مُوسَى، وَسُحْنُونٌ، وَدَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ صَاحِبِهِ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
[ ١٠٦ ]
قَالَ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ مُوسَى يَقُولُ: رَحَلْتُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَجَبٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، يَوْمَ الاثْنَيْنِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي مَالِكُ بْنُ عِيسَى، قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَكُمْ بِإِفْرِيقِيَّةَ مُحَدِّثٌ إِلا مُوسَى بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْفَارِسِيِّ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ: مَاتَ مُوسَى سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ لِي: مَاتَ مُوسَى سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ سَمِعَ سُحْنُونٌ مِنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ عَامَّةُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَمَّا رِجَالُهُ فَكَثْرَةٌ لا أُحِيطُ بِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُحْنُونٌ، قَالَ: كُنَّا نُرَابِطُ بِالْمُنَسْتِيرِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَعَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَكَانَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ أَطْوَلَهُمْ كُلَّهُمْ صَلاةً، وَأَدْوَمَهُمْ عَلَيْهَا، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ طَبَّقَهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: تَوَجَّهُوا بِنَا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَنَقُولُ لَهُ: أَقِمْ بِنَا حَتَّى نَتَعَبَّدَ هَهُنَا، فَيَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ تَسْلِيمًا: " إِذَا أَقْبَلَ مِنْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ فَأَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَالَ: أَسْرِعُوا بِنَا إِلَى بَنَاتِ الأَقْوَامِ ".
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَلِمُوسَى مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، لَمْ نَذْكُرْهَا لِئَلا يَطُولَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سَهْلٍ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَضَرْتُ مُوسَى بْنَ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَتَاهُ رَسُولُ الأَمِيرِ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ، يَسْأَلُهُ عَنْ عَمُودِ مَسْجِدٍ بِالسَّاحِلِ، خَرَّبَ الْمَسْجِدَ، فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يَجْعَلُهُ مَعَ صَاحِبٍ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى: لا تُحَرِّكْهُ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا بَنَى مَسْجِدَ مَكَّةَ
[ ١٠٧ ]
أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ أَرْضًا لِلْعَبَّاسِ لِيُعَدِّلَ الْمَسْجِدَ، فَأَبَى الْعَبَّاسُ، وَقَالَ: أَرْضِي وَمُلْكِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: الأَرْضُ أَرْضُ اللَّهِ، وَالْمَسْجِدُ مَسْجِدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَرْضَى بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَحْكُمُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَسَارَا إِلَى أُبَيٍّ، فَدَقَّا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَأَى عُمَرَ، قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ الْحَاكِمَ يُؤْتَى إِلَيْهِ وَلا يَأْتِي إِلَى أَحَدٍ، وَإِنِّي وَالْعَبَّاسُ تَشَاجَرْنَا فِي أَمْرٍ، وَحَكَّمْنَاكَ فِيهِ، فَادْخُلْ إِلَى دَارِكَ، فَدَخَلَ وَدَخَلا، فَخَرَجَ بِوِسَادَةٍ فَأَلْقَاهَا إِلَى عُمَرَ، فَنَبَذَهَا عُمَرُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ جَوْرِكَ، أُقْعُدْ أَنْتَ عَلَيْهَا، فَقَعَدَ أُبَيٌّ عَلَيْهَا، وَتَكَلَّمَ عُمَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُدْخِلَ أَرْضًا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ هَذَا: إِنَّهَا لَهُ، وَإِنَّ الأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ، وَالْمَسْجِدَ مَسْجِدُ اللَّهِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: الأَرْضُ أَرْضِي وَالدَّارُ دَارِي.
فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ: أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ وَأَيُّ بَيْتٍ يَسَعُكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:. . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا فَأُقَدِّسُهُ، وَأُشَرِّفُهُ، وَأُعَظِّمُهُ، وَأُذْكَرُ فِيهِ، وَأَجِدُ مَنْ يَأْتِيهِ فَيُعَظِّمَنِي فِيهِ، وَيَذْكُرَنِي.
قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ. . . . . . . . . . . . . . لَقَدْ قَدَّسْتُهُ، وَشَرَّفْتُهُ، وَكَرَّمْتُهُ، فَارْفَعْ يَدَكَ مِنْهُ، فَبَكَى دَاوُدُ، وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: «إِنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ مَنْ يُتِمُّهُ»، فَلَمَّا أَنْ أَعْطَى اللَّهُ سُلَيْمَانَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ مُلْكِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَمَرَهُ بِبِنَائِهِ، قَالَ: فَلَمَّا أَخَذَ فِي بِنَائِهِ، فَإِذَا بَيْتٌ لِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يَعْتَدِلُ الْمَسْجِدُ إِلا بِهِ، فَأَعْطَاهَا فِيهِ سُلَيْمَانُ عَطَاءً، فَلَمْ تَرْضَ، فَأَمْسَكَ سُلَيْمَانُ عَنِ الْبِنَاءِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:
[ ١٠٨ ]
«يَا سُلَيْمَانُ، إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُعْطِي مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ كُنْتَ تُعْطِي مِنْ عِنْدِي فَأَعْطِ وَأَرْضِهَا»، فَأَعْطَاهَا سُلَيْمَانُ، وَزَادَهَا، فَلَمْ تَرْضَ، فَأَمْسَكَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " إِنْ كُنْتَ تُعْطِي مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ كُنْتَ تُعْطِي مِنْ عِنْدِي فَأَعْطِ، فَأَعْطَاهَا سُلَيْمَانُ مَا سَأَلَتْ حَتَّى رَضِيَتْ، فَمَا أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَقَّ إِلا لِلْعَبَّاسِ، فَأَرْضِهِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلَسْتَ قَدْ حَكَمْتَ لِي؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْخِلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَعَلْتُهُ لِلَّهِ.