قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: ويَحْيَى بْنُ سَلامٍ، قَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا، وَكَانَ لَهُ إِدْرَاكٌ، لَقِيَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَكْثَرَ مِنْ لُقِيِّ الرِّجَالِ وَالْحَمْلِ عَنْهُمْ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ.
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ يَحْيَى: أَنَّهُ مَا سَمِعَ شَيْئًا قَطُّ إِلا حَفِظَهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِمَنْ يَتَغَنَّى، يَسُدُّ أُذُنَيْهِ لِئَلا يَسْمَعَهُ فَيَحْفَظَهُ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ خَلْقِ اللَّهِ، وَدَعَا بِثَلاثِ دَعَوَاتٍ اسْتُجِيبَتْ لَهُ: دَعَا اللَّهَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ الدَّيْنَ فَقُضِيَ دَيْنُهُ، وَدَعَا أَنْ يُوَرِّثَ وَلَدَهُ الْعِلْمَ فَكَانَ كَمَا دَعَا، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِمُقَطَّمِ مِصْرَ فَفَعَلَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ يَحْيَى ابْنِهِ حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّ قَبْرَ جَدِّهِ إِلَى جَنْبِ قَبْرِ ابْنِ فَرُّوخَ بِالْمُقَطَّمِ، وَأَنَّهُ يَرَى عَلَيْهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ قِنْدِيلانِ يُوقَدَانِ، وَرُمِيَ بِالإِرْجَاءِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رَبِيعٍ اللِّحْيَانِيُّ، أَنَّ رَجُلا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَقُولُ بِالإِرْجَاءِ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ لَهُ: «وَرَبِّ الْقِبْلَةِ مَا عَبَدْتُ اللَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الإِرْجَاءِ قَطُّ، كَيْفَ وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّهُ بِدْعَةٌ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ يُوسُفَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
[ ٣٧ ]
وَهْبٍ نَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى مَرَّ فِي كُتُبِه حَدِيثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، فَقَالَ: اطْرَحُوهُ لأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُرْجِئٌ، قَالَ عَوْنٌ: فَقُمْتُ أَنَا إِلَيْهِ وَمَعِي ثَلاثَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَشَهِدْنَا عَنْهُ أَنَّهُ بَرِئٌ مِنَ الإِرْجَاءِ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إِلَيْهِ الإِرْجَاءُ، أَنَّ مُوسَى بْنَ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، مَا أَدْرَكْتَ النَّاسَ يَقُولُونَ فِي الإِيمَانِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَدْرَكْتُ مَالِكًا، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُونَ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ»، وَأَدْرَكْتُ مَالِكَ بْنَ مِغْوَلٍ، وَقَطَرَ بْنَ خَلِيفَةَ، وَعُمَرَ بْنَ ذَرٍّ، يَقُولُونَ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ» .
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: فَأَخْبَرَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، سُحْنَونَ بْنَ سَعِيدٍ بِمَا ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، وَقُطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا قَالَ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: هَذَا مُرْجِئٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَمِيمٍ، وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، خَالِيًا عَنْ قَوْلِ جَدِّهِ فِي الإِيمَانِ، فَقَالَ: كَانَ جَدِّي، يَقُولُ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ»، وَكَانَ يَحْيَى ثِقَةً صَدُوقًا لا يَقُولُ عَنْ جَدِّهِ إِلا الْحَقَّ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ مَاتَ بِمِصْرَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ تَرَكَهَا كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ ثِقَةٌ نَبِيلٌ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الَّذِي سَمِعْنَا مِنْهُ كَانَ صَالِحًا ثِقَةً، صَحِبْتُهُ سِنِينَ طَوِيلَةً، مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ ضَحِكَ وَلا غَضِبَ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ صَاحَ عَلَى غُلامٍ لَهُ، وَكَانَ مُحْسِنًا فِي عِلْمِهِ مُتَوَاضِعًا فِيهِ، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَوْلِدُ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، قَالَ
[ ٣٨ ]
أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَوْلِدُ يَحْيَى ابْنُهُ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ بِسَنَتَيْنِ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي بِهَذَا التَّارِيخِ مِنْ مَوْتِ يَحْيَى وَمَوْلِدِهِ، وَمَوْتِ مُحَمَّدٍ، يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ عِمْرَانَ، وَصَلَّى عَلَى يَحْيَى ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ.
[ ٣٩ ]