عاشتْ دمشق في النِّصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري أجمل أيامها، فقد أَمِنَتْ من التَّتار بعد هزيمتهم في شَقْحب سنة (٧٠٢ هـ) (١)، وعاد إلى السلطة الملكُ الناصر محمد بن قَلاوون للمرة الثالثة سنة (٧٠٩ هـ) (٢)، وتولى أمر نيابتها أمير ذوهمة عالية هو تنكز، وذلك سنة (٧١٢ هـ) (٣)، وقد بَسَطَ الملك الناصر سلطتَه على مِصْر والشَّام بحزمٍ وقوة؛ مما مكَّن تنكز في دمشق أن يقوم بحملة إصلاح واسعة شَمِلَتْ مناحي الحياة كافَّة، ابتداءً من كفِّ ظلم الولاة عن الناس، ومنع الأمراء من تسخير الفلاحين والمزارعين في أعمالهم، وانتهاءً بإحياء ما اندثر من الأوقاف بإعادة عمارة المدارس والمساجد، وقد أَنْصَفَ العامة والتجار بخلاص حقوقهم من الأمراء على ما يقتضي الشرع الحنيف، وأصلحَ تقاسيم المياه بعدما كانت فاسدة، ونظَّف مجاريها،
_________________
(١) "البداية والنهاية": ١٤/ ٢٥ - ٢٦.
(٢) "النجوم الزاهرة": ٨/ ٢٧٧، ٩/ ٣ وما بعدها، وكان قد ولي السلطنة للمرة الأولى سنة (٦٩٣ هـ) وهو صبي فخلع منها، ثم أعيد سنة (٦٩٨ هـ)، ثم عزل نفسه حتى عاد في المرة الثالثة.
(٣) "الوافي بالوفيات": ١٠/ ٤٢١.
[ ١ / ١١ ]
ووضَّحَ طُرُقَها، وهدم الأملاك التي استجدَّها الناس، وضيَّقوا بها الشوارع والطرق المسلوكة، وأزال الفواحش والخمارات، وشدد العقوبة على السكير حتى القتل، فتعذَّر في أيامه وجود الخمر، واستجد ديوانًا للزكاة، وصرفها للفقراء والمساكين (١)، فأَمِنَ الناس، وعاشوا في غاية الرُّخص والصِّيانة (٢)، وعمت المَدَنية قرى دمشق، فَبُنِيَ فيها الحمامات والمساجد الجامعة والأسواق، وصار سكانُها كأهل الحاضرة (٣)، وقد حقَّقَتْ خُطَّة تنكز في إحياء الأوقاف عدالةً اجتماعية لم تشهدها دمشق من قبل ومن بعد، ويأخذنا العجب والدهشة والانبهار ونحن نقرأ مصارف الأوقاف وأنواعها، مما خطَّه ابنُ بطوطة في رحلته، وتتجلى بين السطور روعةُ المدنية التي كان يعيشها أسلافنا، فمن أوقاف للعاجزين عن الحج، إلى أوقاف لتجهيز البنات إلى أزواجهن، إلى فَكَاك الأسرى، وتعديل الطرق ورَصْفها. ومما يثير إعجابنا حقًّا وقف الأواني، وهو سموٌّ إلى الخير لم نر مثيلًا له عند الأمم الأخرى، وقد روى لنا ابن بطوطة حادثة تتعلَّق به، قال: "مررت يومًا ببعض أزقَّة دمشق، فرأيت مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صَحْفَة من الفخار الصَّيني -وهم يسمونها الصحن- فتكسرت، واجتمع الناس عليه، فقال بعضهم: اجمع شققها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجَمَعَها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لا بدَّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا
_________________
(١) انظر "السلوك" للمقريزي: ج ٢ / ق ٢/ ٥١٠ - ٥١١.
(٢) "البداية والنهاية": ١٤/ ١٨٧، و"الوافي بالوفيات": ١٠/ ٤٢٣.
(٣) "رحلة ابن بطوطة": ١/ ١١٧.
[ ١ / ١٢ ]
ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت هِمَّتُه في الخير إلى مثل هذا" (١).
في ظل هذا الأمن والرخاء قامت نهضة عُمْرانية رائعة، تنافس فيها أهل دمشق في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد (٢)، وعاش الناس في بُحْبُوحة، فكلُّ إنسان -حتى الغرباء- يتأتَّى له وَجْهٌ من المعاش (٣).
هذه الصُّورة المشرقة سرعان ما كَسَفَتْ، ولاحَتْ بوادر الانهيار، فقد قُتِلَ الأمير تنكز سنة (٧٤١ هـ) (٤)، ومات قاتلُهُ الملك النَّاصر بعده بأشهر (٥)، وانتشر مرض الطَّاعون في العالم القديم كلِّه، فراح يحصُدُ الآلاف، وعدم الخبز، وقلَّ القوت، وعَلَتْ وجوه الناس صفرةٌ ظاهرة (٦)، وبلغ عدد الموتى كل يوم في دمشق ألفين وأربع مئة (٧)، وغرقت البلاد في فوضى، فما يتولى سُلْطان حتى يقتل، ولا يتولَّى نائب حتى يعزل، فما بين سنة (٧٤١ هـ) وسنة (٧٨٤ هـ)، تولى السلطنة أثنا عشر سُلْطانًا، أغلبهم تتراوح أعمارهم بين السادسة والحادية عشرة، ثمانية منهم من أولاد الناصر، وأربعة من حَفَدَته، وتولى نيابة دمشق في الفترة نفسها أربعة وعشرون نائبًا بين تعيين وإعادة، ابتداءً من الطنبغا الناصري الذي تولاها
_________________
(١) "رحلة ابن بطوطة": ١/ ١١٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) "البداية والنهاية": ١٤/ ١٨٨.
(٥) "السلوك" للمقريزي: ج ٢ / ق ٢/ ٥٢٣.
(٦) "النجوم الزاهرة": ١٠/ ٢٠٣.
(٧) "رحلة ابن بطوطة": ٢/ ٧٤٩.
[ ١ / ١٣ ]
سنة (٧٤١ هـ)، بعد مقتل تنكز، وانتهاءً ببيدمر الذي دخلها للمرة السَّادسة سنة (٧٨٣ هـ).
ورغم تولي السلطنة سنة (٧٨٤ هـ) الملك الظاهر برقوق، وهو ممن أوتي حُنْكة ومِرَاسًا في الحكم، فقد ظل الاضطراب مستشريًا في جسم الدولة، حتى إن ثورة أطاحت به بعد سبع سنوات من توليه السلطنة، ولكنه سرعان ما عاد، واستطاع بحنكته أن يعيد إليها بعض الاستقرار.
وكانت وفاته سنة (٨٠١ هـ)، وتولي ابنه الناصر فرج وله من العمر عشر سنوات بدايةَ النهاية، إذ استفحل عبثُ المماليك واقتتالهم على السُّلْطة، حتى انتهى بهم الأمر إلى الانسحاب من أمام جيش تيمور، وهو يحاصر دمشق، لتقع تحت سيفه غنيمة سهلة، ويقع الشعب قتيلًا وأسيرًا بعد أن خُدِعَ أبشع خديعة، وحلَّ بدمشق من البلاء ما لا يوصف، وجرى على أهل دمشق من العذاب ما جَعَلَ المعاقَب يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة (١)، واستمر هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يومًا (٢)، ثم طُرِحَتِ النار، فعمَّ الحريق جميع البلد، حتى صار لهيب النار يكاد يرتفع إلى السَّحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها (٣)، وذهبت مساجدُ دمشق ودُورها وقياسرها وحماماتها، وصارت أطلالًا بالية ورسومًا خالية، ولم يبق بها دابَّة تدبُّ إلا أطفالٌ يتجاوز عددهم الآلاف فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع (٤)، وكان
_________________
(١) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٤.
(٢) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٥.
(٣) المصدر السابق.
(٤) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٦.
[ ١ / ١٤ ]
أمرًا بلغ مبالغه في الشَّناعة والقبح على حدِّ تعبير ابن خلدون، شاهد هذه المأساة (١).
بهذه الصُّورة القاتمة يختتم قَرْن، ويبدأ قرن، وتتباين صورتا دمشق بين أوَّل القرن وآخره، في أوله خرجت منتصرة على جيوش التتار في شقحب سنة (٧٠٢ هـ)، وفي آخره (٨٠٣ هـ)، سقطت منهزمة، مخذولة، مدمَّرة.