فصل
ثم لحق اليمن كله في [آخر المائة الثالثة وأكثر المائة الرابعة] (^١) فتنتان عظيمتان:
فتنة القرامطة، وقد عمت العراق والشام والحجاز، وإن اختلف تأثيرها في البلدان. فَمَلَكَ هذا المخلاف اليمني، علي بن الفضل (^٢) لعنه الله، وأظهر ما فيه ما هو منسوب إليه ومشهور عنه، على منبر جامع الجَنَد بقوله (^٣):
خذي الدف ياهذه والعبي … وغني هَزَاريْكِ ثم اطربِي
_________________
(١) ساقط من ع.
(٢) علي بن الفضل الجدني الخنفري الجيشاني، كان في أول أيامه ينتحل الإثنى عشرية، فخرج للحج وزار قبر النبي ﷺ، ثم مضى إلى الكوفة لزيارة قبر الحسين بن علي ﵁، فبكى عنده بكاء شديدًا وأخذ يعدد مناقبه ويذكر فضله، وكان عند القبر ميمون القداح، وولده عبيد الله صاحب الدعوة الفاطمية الباطنية، فلما بصرا به سرهما حاله وطمعا به، وعلما أنه ممن يميل إليهما ويدخل في ناموسهما، فاستمالاه وأرسلاه سنة ٢٧٧ هـ مع الحسن بن زاذان المشهور بمنصور اليمن إلى بلاد اليمن، لنشر الدعوة الفاطمية هناك، ثم اختلفا على بعضهما وتحاربا، وتمكن علي بن الفضل من التغلب على منصور اليمن ومحاصرته حتى طلب منه الصلح. وقد توفي علي بن الفضل سنة ٣٠٣ هـ وتوفي منصور اليمن سنة ٣٠٢ (كشف أسرار الباطنية ص ٢١ - ٣٧ والسلوك ٦٢ - ٦٨ وتأريخ عمارة ١٣٩ - ١٥٢ وثغر عدن ٢: ١٥٦.
(٣) في ح: «بهذه الأبيات الكفرية القبيحة السخرية». وقد وردت هذه الأبيات أو بعضها مع اختلاف في بعض ألفاظها في: الكشف ٣١، تأريخ عمارة ١٤٤، السلوك للجندي لوحة ٦٤، وبلوغ المرام ٢٣، والحور العين ١٩٩ وكلهم ينقل عن كشف أسرار الباطنية الذي أورد أكبر عدد من أبيات هذه القصيدة وهو ينسبها لشاعر من شعراء علي بن الفضل.
[ ٧٥ ]
تولى نبي بني هاشمٍ … وهذا نبيُّ بني يَعْرُبِ
(لكل نبي مضى شرعةً … وهذي شرائع هذا النبي) (^١)
فقد حط عنا فروض الصلاة … وحط الصيام ولم يُتعبِ
وحط الذنوب على قاتلٍ … ولو كان من قبلُ قاتل نبي (^٢)
أحل البنات مع الأمهات … ومن فضله زاد حل الصبي
إذا الناس صلوا فلا تنهضي … وإن صَوَّموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا … ولا زورة القبرِ في يثربِ
ولا تمنعي نفسك المعرسين … من الأقربين ومن أجنبي
(فكيف تحلي لهذا الغريب … وصرتِ محرمة للأب) (١)
(أليس الغراس لمن ربه … وسقّاه في الزمن المجدبِ) (١)
(وما الخمر إلا كما السماء … حلالًا فقُدِسْتِ من مذهبِ) (١)
والشعر طويل، وكله تحليل محرمات الشرع (^٣) والإستهانة به. فقتل أهل اليمن قتلًا ذريعًا قبل هذا، وملك الحصون والأموال العظيمة، وكانت المُذَيخِرَة هي أنفس مدائن اليمن في ذلك الوقت، وسلطانها جعفر بن إبراهيم المناخي (^٤)، جدّ السلطان سبأ بن حسين بن بكيل بن قيس الأشعري، فقتله القرمطي علي
_________________
(١) أضفنا هذه الأبيات الأربعة من كشف أسرار الباطنية والسلوك.
(٢) هذا البيت زيادة في ع.
(٣) في ح وع وكشف أسرار الباطنية: الشريعة والإستهانه بها.
(٤) جعفر بن أحمد بن إبراهيم المناخي الحميري، كان بالمذيخرة، فأحسن عمارتها وأحي أعمالها وما والاها، وبقي على سلطته ثلاثًا وأربعين سنة، حتى قصده علي بن الفضل مرتين لحربه، ثم انتصر عليه في الثالثة، فأخذ المذيخرة، وهزم جعفرًا، ثم أعاد الكرة فكتبت له الهزيمة، فكانت بينهما وقعة قتل فيها جعفر بن أحمد (بلوغ المرام ٢٠).
[ ٧٦ ]
ابن الفضل الجَدَني وملكها (وملك) (^١) هو (* وحليف له يسمى الحسن بن سعيد بن زاذان (^٢) النجار، صنعاء على بني الحوالي (^٣) وهربوا منهم إلى الجوف، ومن ذرية الحوالي: أسعد (^٤) بن عبد الصمد وعلي بن أسعد (^٥) بن يُعْفِر الشريف الحوالي وأصحابهما ممن سكن ظَبا وبَعْدان والعرافة. وحضر في هذا الزمان وطرد الناصر بن الهادي من صعدة، وملكت القرامطة زبيد وعدن، مع أن الحج لم ينقطع إلا في عامين أو ثلاثة بعد دخول أبي سعيد الجنابي (^٦) من القرامطة مكة، سنة سبع عشرة وثلاث مائة، فقتل الحجاج قتلًا ذريعًا، قيل قتل ثلاثة عشر ألفًا واقتلع الركن الشريف، وراح به إلى الحَسا (^٧) وقال في ذلك شعر (^٨).
_________________
(١) تكملة من ح. (* من هذه العلامة إلى نهايتها *) في ص ٨٠ ساقط من الأصل وهو مقدار ورقة.
(٢) أبو القاسم الحسن بن فرح بن حوشب بن زاذان الكوفي وسمي بمنصور اليمن، لأنه صاحب الدعوة الفاطمية في اليمن. (السبع السابع من عيون الأخبار الورقة الأولى ونزهة الأفكار ١: ٢٧ والسلوك ٦٣ وانظر أيضًا الحاشية الثانية ص ٧٥).
(٣) آل يعفر الحوالي الحميري، بدأت دولتهم سنة ٢٣٠ هـ عندما حارب الأمير يعفر بن عبد الرحمن الحوالي، والي صنعاء من قبل العباسيين وانتصر عليه. وقد استمرت دولة الحواليين إلى سنة ٣٨٩ هـ (بلوغ المرام ١٨ وزامباور ١: ١٧٩).
(٤) كذا في ح وهو الصواب، وفي الأصل وع: أحمد.
(٥) في ح: وكان «علي بن أسعد». وفي الأصل «ابن سعيد» بدون علي.
(٦) كذا بالأصل، والصواب «بعد دخول أبي طاهر أخي أبي سعيد الجنابي» لأنه هو الذي دخل مكة وفعل هذه الأفعال سنة ٣١٧ هـ. كما في كتب التأريخ. وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد حسن بن بهرام الجنابي. (ابن الأثير ٦: ٢٠٣ ومقدمة كشف أسرار الباطنية).
(٧) في ح: الأحسا. وكلاهما بمعنى. وقد أعاد القرامطة هذا الحجر الأسود إلى مكانه في الكعبة سنة ٣٣٩ بعد اثنتين وعشرين سنة.
(٨) في ح: شعره المشهور وهو هذا. وهذه الأبيات في كشف أسرار الباطنية ص ٣٣ وابن الأثير ٦: ٢٠٣.
[ ٧٧ ]
فلو كان هذا البيت لله ربنا … لصبّ علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية … مُجَلَّلة لم تبق شرقًا ولا غربا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا … جنائز (^١) لم تبغي سوى ربها ربا
وشعره مشهور في كتب التواريخ لعنه الله، وفي رسالة محمد بن مالك (^٢) الحمادي من ذلك جملة، وفي كشف الأسرار للقاضي الأجل أبي بكر الباقلاني (^٣) طرف منه.
_________________
(١) ح: «كتائب» وكذا في الكشف. وفي ابن الأثير: «جبابر».
(٢) أبو عبد الله محمد بن مالك بن أبي القبائل الحمادي اليماني من فقهاء السنة باليمن في أواسط المائة الخامسة، ورسالته هي المعروفة ب «كشف أسرار الباطنية والقرامطة» نشرت في مصر مرتين سنة ١٩٣٩ وسنة ١٩٥٥، وكان ممن دخل في الدعوة الفاطمية الباطنية أيام دولة الصليحيين في اليمن، وتحقق أصل مذهبهم وخبر خبرهم ودرس ظاهرهم وباطنهم، حتى إذا تحقق فساد مذهبهم رجع عنه - كما يقول ذلك في مقدمة كتابه هذا - وقد اعتمد على هذا الكتاب كثير من المؤلفين الذين تصدوا للكلام على الدعوة الفاطمية في اليمن، ومنهم (مؤلفنا) ابن سمرة والجندي وغيرهم (راجع تقديم المغفور له الشيخ محمد زاهد الكوثري لهذا الكتاب).
(٣) هو الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفي سنة ٤٠٣ هـ. وقد ورد في ثبت مؤلفاته - بآخر كتاب التمهيد له المطبوع سنة ١٩٤٧ - نقلًا عن أبي علي الصدفي، أن اسم كتابه: «كشف الأسرار في الرد على الباطنية» وأشار إليه ابن حزم في الفصل ٤: ٢٢٢ بعنوان «في مذاهب القرامطة» وذكره السبكي في طبقات الشافعية ٤: ١٩٢ بعنوان «كشف الأسرار الباطنية». (راجع التمهيد للباقلاني تحقيق الخضيري وأبي ريده ص ٢٥٩).
[ ٧٨ ]