فصل
ثم مرض رسول الله ﷺ، مرضه الذي مات فيه، بعد رَواحه من حجة الوداع، فلما ثَقُل، استخلف أبى بكر في الصلاة، وكان يقول ﷺ: ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبْهَري من ذلك السم (^١).
والأبْهَرُ: عرق في البدن، وله في كل عضو اسم، فهو في اليد: الأكحل، وفي الرجل: الأنجل وفي البطن [٢٢]: الوتين وفي الصدر: النِّياط، وقيل: إن القلب معلق به، وفي العنق الوَدِجُ والوريد، وفي الظهر: الأبهر (وفي الفخذ: النِّسَا (^٢) وحيثما قطع مات صاحبه وقال أبو عبيد (^٣): الأبهر: عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم يكن معه حياة.
وأنشد الأصمعي:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لَدْمُ الغلام وراء الغيب بالحَجَرِ (^٤)
شبَّه وجيب قلبه بصوت الحجر. والَّدْمُ: الضرب.
وكان ﵇ إذا اشتكى، نفث على نفسه بالمعوَّذات ومسح بيده.
قالت عائشة: فكنت أنفث عليه بالمعوذات وأمسح بيده الكريمة تبركًا بها
_________________
(١) العيني على البخاري ٨: ٤٣٨.
(٢) تكملة من ح وع.
(٣) هذا النص في غريب الحديث لأبي عبيد ورقة ١٢.
(٤) الشعر لابن مقبل. وقد ورد في تاج العروس ٩: ٥٨ منسوبًا له. كما ورد في «غريب الحديث لأبي عبيد ورقة ١٢» مع تفسيره من إنشاد الأصمعي أيضًا. ولم ينسبه لقائله.
[ ٣٠ ]
وقال ابن عباس ﵄ يوم الخميس (وما يوم الخميس) (^١) اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: إيتوني أكتُبُ لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، يقال: ما شأنه، أَهُجِرَ؟ (استفهموه (^٢» فذهبوا يردون (^٣) عليه. فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث. قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو نسيها الراوي.
وعن عائشة ﵂: أنها كانت تقول: مرض رسول الله ﷺ، فأَخَذَتْهُ بُحَّة، فكان يقول في مرضه، في الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم (من النبيين (^٤) ونهى أن يُتَخذ قبره مسجدًا، وقال: لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مما (^٥) صنعوا (^٦).
وعن أنس بن مالك ﵁: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لم يفاجأهم إلا رسول الله ﷺ، قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ، يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحًا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده
_________________
(١) العيني على البخاري ٨: ٤٣٩.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) كذا في الأصول والعيني. وفي ابن الأثير ٢: ٢١٧ وفي الذهبي: يعيدون.
(٤) تكملة من ح. والحديث في العيني على البخاري ٨: ٤٤٢، والذهبي ١: ٣١٤.
(٥) في ح وع والبخاري: ما صنعوا.
(٦) العيني على البخاري: ٢: ٣٧٥ و٨: ٤٤٨.
[ ٣١ ]
أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر (^١).
قالت عائشة: إن من نعم الله عليَّ، أن رسول الله ﷺ: توفيَّ في بيتي وفي يومي، وبين سَحْري ونَحْري - والسحر: الرئة، وروي بين حاقنتي وذاقنتي - فالحاقنة: النقرة بين الترقوة وحبل العاتق. والذاقنة: طرف الحلقوم. قال أبو زيد: يقال في المثل لأُلْحِقَنِّ حواقنك بذواقِنك - وجمع الله بين ريقي وريقه عند موته، دخلَ عليَّ عبد الرحمن - تعني أخاها - وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه: أن نعم. فلينته. فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ ماء أو علبة، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده، فتوفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين في ربيع الأول لعشر سنين مضت من الهجرة: قال [ابن عباس عن عائشة] (^٢): وهو ابن ثلاث وستين سنة قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب مثله، وعن أنس قال: لما ثقل النبي ﷺ، جعل (^٣) يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، مَنْ جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵂: يا أنس، كيف
_________________
(١) العيني على البخاري ٨: ٤٤٨.
(٢) في ح: «قال البخاري: عن عائشة ﵂ وابن عباس». وراجع العيني على البخاري ٧: ٥١٢ و٨: ٤٥٤.
(٣) كذا في البخاري. وفي النسخ الثلاث: جعل العرق وفسره العيني بقوله: يتغشاه: أي الكرب الذي هو الغم.
[ ٣٢ ]
أطابت أنفسكم أن تَحْثُوا على رسول الله ﷺ التراب، خرَّجه البخاري (^١). فغسل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، رسول الله ﷺ في قميصه (الذي مات فيه (^٢» يصب عليه الماء من فوق القميص، وكُفِنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحولية، من كُرسِفٍ، ليس فيها قميص ولا عمامة، أورده البخاري عن عائشة.
قال ابن الصبَّاغ (^٣) سحول بفتح السين مدينة بناحية اليمن، يُعمل فيها الثياب والسُحول: بضم السين هي الثياب الشديدة البياض.
وروى أبو عبيد الهروي، أن النبي ﷺ، كفن في ثوبين صُحاريين وصلى الناس على رسول الله ﷺ فوجًا فوجا، ودُفن في بيت عائشة ﵂، في الموضع (^٤) الذي مات فيه (^٥).
وروي أن عليًا والعباس وأسامة أدخلوا رسول الله ﷺ القبر (وكان القبر (^٦» ملحودًا.
_________________
(١) العيني على البخاري ٨: ٤٥٢.
(٢) تكملة من ع.
(٣) هو أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر المشهور بابن الصباغ، من كبار فقهاء الشافعية. توفي سنة ٤٧٧ هـ. وله من الكتب: الشامل، والكامل، وعدة العالم، والطريق السالم، وكفاية السائل، والفتاوى، ترجم له السبكي ترجمة مطولة في طبقات الشافعية ٣: ٢٣٠ - ٢٣٧.
(٤) في ح: بموضعه.
(٥) في نسخة ح زيادة بعد ذلك نصها: «وهكذا الأنبياء لا يدفنون إلا في الموضع الذي ماتوا فيه، ويخيرون عند الموت بين اللقاء والبقاء»
(٦) تكملة من ح.
[ ٣٣ ]