أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي عم رسول الله - ﵌ - شقيق أبيه، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، اشتهر بكنيته، واسمه عبد مناف على المشهور، وقيل عمران، وقال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته، ولد قبل النبي ﷺ بخمس وثلاثين سنة (^٣).
كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء الأباة، وله تجارة كسائر قريش (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١/ ٢٠٦).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص ١٩٧).
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٥).
(٤) الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٦).
[ ١٤ ]
ولما مات عبد المطلب أوصى بمحمد - ﵌ - إلى أبي طالب فكفله وأحسن تربيته وسافر به صحبته إلى الشام وهو شاب.
ولما بُعث رسول الله - ﵌ - قام في نصرته وذبَّ عنه من عاداه ومدحه عدة مدائح، منها قوله لما استسقى أهل مكة فسقوا:
وأبيض يستسقى الغام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومنها قوله من قصيدة:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد (^١)
وعن عقيل بن أبي طالب قال: «جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل: ائتني بمحمد، فأتيته به، فقال: يا ابن أخي، إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم، فانته عن ذلك، قال: فحلق رسول الله - ﵌ - بصره إلى السماء، فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك من أن تشعلوا منها شعلة، قال: فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا» (^٢).
وزعم البعض أنه مات مسلمًا، واستدلَّوا بأحاديث أسانيدها ضعيفة وواهية (^٣).
_________________
(١) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٥).
(٢) أخرجه أبو يعلى (١٢/ ١٧٦، رقم ٦٨٠٤)، وابن عساكر (٤١/ ٤)، والطبراني (١٧/ ١٩٢، رقم ٥١١)، قال ابن حجر في المطالب العالية (٤/ ٣٧٢): إسناده حسن، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٢) إسناده حسن.
(٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٨).
[ ١٥ ]
قال ابن عساكر في صدر ترجمته: قيل إنه أسلم ولا يصح إسلامه (^١).
وقال ابن كثير - بعد أن تكلم على أنَّ أبا طالب مات على غير الإسلام-: ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه (^٢).
وفي الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﵌ -، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله - ﵌ -: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله - ﵌ - يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﵌ -: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (^٣)، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله - ﵌ - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾» (^٤) (^٥).
قال ابن حجر: فهذا هو الصحيح، إذ لو كان قال كلمة التوحيد، ما نهى الله تعالى نبيه عن الاستغفار له (^٦).
_________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (٦٦/ ٣٠٧).
(٢) السيرة لابن كثير (٢/ ١٣٢).
(٣) سورة التوبة الآية (١١٣).
(٤) سورة القصص الآية (٥٦).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ٤٥٧، رقم ١٢٩٤)، ومسلم (١/ ٥٤، رقم ٢٤) واللفظ له.
(٦) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٨)، وانظر: كلام ابن حجر التفصيلي هناك ففيه الجواب الشافي.
[ ١٦ ]
وورد في الصحيحين أيضًا عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي - ﵌ -: «ما أغنيت عن عمك أبي طالب فإنه كان يحوطك (^١) ويغضب لك، فقال: هو في ضحضاح (^٢) من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل» (^٣).
قال ابن حجر: فهذا شأن من مات على الكفر فلو كان مات على التوحيد لنجا من النار أصلا، والأحاديث الصحيحة والأخبار المتكاثرة طافحة بذلك (^٤).
قال ابن حجر: قال المرزباني: مات أبو طالب في السنة العاشرة من المبعث (^٥) وكان له يوم مات بضع وثمانون سنة، وذكر ابن سعد عن الواقدي أنه مات في نصف شوال منها (^٦). وكان مولده ووفاته بمكة (^٧).
وهكذا توفي أبو طالب نتيجة المرض والمعاناة في شعب أبي طالب بعد أن كان مدافعا وصاداًّ لقريش عن رسول الله - ﵌ - فحزن الرسول لفقده حزنا شديدا، وحزن أكثر لموته على غير الإسلام.
_________________
(١) يحوطك: يصونك ويدافع عنك.
(٢) ضحضاح: هو الموضع القريب القعر والمعنى أنه خفف عنه شيء من العذاب.
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ١٤٠٩ رقم ٣٦٧٠)، ومسلم (١/ ١٩٥ رقم ٢٠٩)، وفي رواية «ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه» أخرجه البخاري (٥/ ٢٤٠٠، رقم ٦١٩٦)، ومسلم (١/ ١٩٥، رقم ٢١٠).
(٤) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٤١).
(٥) مات أبو طالب قبل أن يهاجر رسول الله - ﵌ - بثلاث سنين وأربعة أشهر، انظر السيرة لابن حبان (١/ ٣٩).
(٦) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٤٢).
(٧) السيرة لابن حبان (ص ٣٩).
[ ١٧ ]