ما أجمل أن تكون هناك مواقف مع الأحبّة، فحتمًا سوف تكون مواقف ذات طابع مميّز لن تُنسى، فكيف إذا كانت هذه المواقف بين رسول الله - ﵌ - وشبيه خَلق وخُلق رسول الله جعفر بن أبي طالب - ﵁ -.
فعن عروة بن رويم: حدثني الأنصاري: أن رسول الله - ﵌ - قال لجعفر: «ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم، قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك
[ ٨٥ ]
من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا «قال: ثم ترفع رأسك يعني من السجدة الثانية فاستو جالسًا، ولا تقم حتى تسبح عشرًا، وتحمد عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا» فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة» (^١).
وقد مرَّ معنا قول النبي - ﵌ - لجعفر: «ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» (^٢).
وهذه الرواية تكشف عن مزيج من المحبة والإجلال والتقدير من رسول الله - ﵌ - لجعفر - ﵁ -، وهذا الفرح هو فرح إجلالٍ وحبٍ، ودليل شوقٍ من رسول - ﵌ - لجعفر، فهجرته - ﵁ - إلى الحبشة نأت به بعيدًا عن رسول الله لسنوات، وكان الشوق المتبادل بين رسول الله وجعفر بلغ ذروته إلى أن جاءت لحظة لقاء الأحبة يوم فتح خيبر.
وبعد قدوم جعفر - ﵁ -، سأله رسول الله - ﵌ - سؤالًا يجسِّم لنا مدى اهتمام
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣١)، رقم (١٢٩٩) وسكت عنه (وقد قال في رسالته لأهل مكة ص ٢٨: ما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)، وصححه الألباني في أبي داود (١٢٩٩)، قال عبد القادر الأرناؤوط في الأذكار للنووي (١/ ١٥٨): «للحديث طرق وشواهد تدل على أنَّ له أصلا وهو حديث حسن أو صحيح»، وقد ذكر أبوداود الحديث بطوله مُوَجَّها للعباس ثمّ لعبد الله بن عمرو، ثم ذكر حديث جعفر بنحو حديث العباس ولم يذكر متنه.
(٢) قد تم تخريجه سابقًا.
[ ٨٦ ]
رسول الله - ﵌ - بما يحدث حوله من أحداث شعوب العالم، وكيف لفت انتباه الداعية الصحابي جعفر لأن ينظر في هذه الأحداث ويستغلها، لأن الداعية يحتاج لأن يعرف طبيعة البلد التي يجب أن يدعو فيها، ومن هنا جاء سؤال رسول الله - ﵌ - لجعفر عن أعجب ما رأى في الحبشة والتي كانت بيئة جعفر - ﵁ - الدعوية، فهو - ﵌ - معلِّم البشرية، وجعفر - ﵁ - صاحبه والمتلقِّي من معلمه الأكبر رسول الله - ﵌ -.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة لقيه رسول الله - ﵌ - فقال: حدثني بأعجب شيء رأيته بأرض الحبشة قال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام، فمرَّ بها رجل على فرس فأصابها فرمى به، فجعلت تنظر إليه وهي تعيده في مكتلها، وهي تقول: ويل لك من يوم يضع الملك كرسيه، فيأخذ للمظلوم من الظالم. فضحك رسول الله - ﵌ - حتى بدت نواجذه فقال: «كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفها من شديدها حقه وهو غير متعتع» (^١) (^٢).