إنَّ جعفرًا - ﵁ - ومن معه من المسلمين هاجروا إلى الحبشة بإذن رسول الله - ﵌ -، فمكثوا في الحبشة، آمنين مطمئنِّين، يقيمون شعائر دينهم ويظهرونها، ويدعون إلى الإسلام.
وكان جعفر - ﵁ - أميرهم فى الهجرة (^٣).
فلمَّا بلغ جعفرًا ومن معه ﵃ أجمعين خروج النبي - ﵌ - إلى المدينة مهاجرًا، قدموا إلى المدينة- في السنة السابعة للهجرة- بعد أن بعث فيهم رسول الله - ﵌ - إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك للطبري (٢/ ١٣١).
(٢) تاريخ الأمم والملوك للطبري (٢/ ١٣١).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٩٦).
[ ٨١ ]
سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية (^١).
وكان جميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله - ﵌ - ستة عشر رجلًا (^٢).
ثم كان بعد مقدم جعفر - ﵁ - من الحبشة حدثٌ أخبرنا به أبو موسى الأشعري - ﵁ -.
فلنعش هذا الحدث مع الصحابي الجليل أبي موسى - ﵁ -، الذي يبين فضل أهل السفينة وأصحاب الهجرتين (هجرتي الحبشة والمدينة) وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب - ﵁ -:
عن أبى بردة عن أبى موسى - ﵁ - قال: «بلغنا مخرج النبى - ﵌ - ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم - إما قال: في بضع وإما قال: - فى ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومى، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبى - ﵌ - حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبى - ﵌ - زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشى فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟، قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: آلحبشية هذه آلبحرية هذه؟، قالت أسماء: نعم. قال:
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٣٥٩).
(٢) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٦٢)، وانظر الروض الأنف (٤/ ١٠٤).
[ ٨٢ ]
سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله - ﵌ - منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله - ﵌ - يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا فى دار أو فى أرض البعداء البغضاء (^١) بالحبشة، وذلك فى الله وفى رسوله - ﵌ - وايم الله، لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله - ﵌ - ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبى - ﵌ - وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه فلما جاء النبى - ﵌ - قالت: يا نبى الله إن عمر قال: كذا وكذا. قال «فما قلت له؟». قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بى منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان».
قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا (^٢)، يسألوننى عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح ولا أعظم فى أنفسهم مما قال لهم النبى - ﵌ -. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منى» (^٣).
وهنا دعنا ننظر إلى موقف أسماء - ﵂ -، غضبت لأجل الحق وحاورت بالحق، لا تخاف في الله لومة لائم، ولكنها كانت جميلة المنطق، إنها مثال للزوجة المسلمة التي تربت على الإسلام، ولا عجب فهي زوجة جعفر - ﵁ -.
وأيضا دعنا ننظر إلى مقياس تفاخر المسلمين في زمن رسول الله - ﵌ -،
_________________
(١) البعداء البغضاء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين، إلا من أسلم منهم كالنجاشي ﵀.
(٢) أرسالًا: أي أفواجًا، فوج بعد فوج.
(٣) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر - ﵁ -، حديث رقم (٦).
[ ٨٣ ]
فإن تفاخرهم ليس بالأحساب والأنساب، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله، وبالقرب وبالخدمة والذود والحماية لرسول الله - ﵌ -، وهذا ما قصده عمر الفاروق - ﵁ -، وكان غضب أسماء - ﵂ - وحزنها من حرصها على الخير والفضل في هذا الدين.
ولنا هنا وقفة مع ثناء رسول الله - ﵌ - على من هاجر إلى الحبشة ومن ضمنهم جعفر - ﵁ -، فقد أثنى عليهم وذكر بأن لهم هجرتين وذلك بسبب تركهم ديارهم وأهلهم وعيشهم في الغربة حفاظًا على الدين وحرصًا على إقامته.
وهذا يدلنا على فضل الهجرة عمومًا، والهجرة إلى رسول الله - ﵌ - خصوصًا، وقد نال جعفر بن أبي طالب - ﵁ - قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في زمن النبي - ﵌ -.
والآن مع اللحظة التي طال انتظارها، إنها لحظة لقاء ورؤية جعفر - ﵁ - للحبيب - ﵌ -، وما إن وصل جعفر حتى فرح - ﵌ - بقدومه بعد فرحه بفتح خيبر فكان الفرح فرحين، وأسهم - ﵌ - لجعفر ومن معه من المسلمين في الغنائم.
فعن جابر بن عبد الله قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله - ﵌ -: «ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» (^١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٦٨١) (٤٢٤٩) وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي في التلخيص، قال الألباني في تخريج فقه السيرة (٣٥٠) «حسن وبالجملة فالحديث قوي بهذه الطرق».
[ ٨٤ ]
وفي هذا الحديث إشارة إلى أمر مهم، فالرسول - ﵌ - لا ينطق عن الهوى، ففرحه - ﵌ - وحزنه لله، ففي الحديث إشارة إلى أنّ قدوم جعفر - ﵁ -، يعادل في الأهميّة فتح خيبر، أعظم حصون اليهود، وهذا إن يدل فإنما يدل على أهمية جعفر - ﵁ - وأنّ جعفرًا من رجالات الإسلام الذين يُعتمد عليهم في المهمّات الصعبة، بدليل تسليم رسول الله - ﵌ - الراية لجعفر في معركة مؤتة.
ففتح خيبر معناه هدم وهزيمة أكبر قلاع اليهود أعداء الإسلام.
وفتح خيبر فرحة وأي فرحة، وكذا قدوم جعفر فرحة ما بعدها فرحة.