نستقي من مواجهة جعفر - ﵁ - لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة الفوائد التالية:
١. رغم أقلية المسلمين في الحبشة ووجودهم في بلد غير إسلامي، فقد
[ ٧٦ ]
قاموا بالمشورة فيما بينهم، وتوحدت كلمتهم واجتمع أمرهم، وانتدبوا المتحدث باسمهم وكان جعفر - ﵁ -، وهم في هذا كأنما يمثلون أوضاع الجاليات المسلمة في بلادٍ غير إسلامية كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم.
٢. لقد أحسن جعفر - ﵁ - المقالة، وكان صاحب أسلوب مميز، فإنه بدأ كلامه بقوله: «أيها الملك»، وهذا فيه تنزيلٌ للناس منازلهم، لكي يكون هناك رابط وجسر يمتد منه الحديث لتكوِّن أرضيَّة موحدَّة تؤدي إلى تأليف قلب المستمع، فيسمع ويصغي بكلِّه، وليس في هذا حرجٌ شرعيٌ، وليس فيه شيء من التعظيم لغير المسلم، بل فيه وصفٌ لحقيقته التي هو عليها، فهو ملك تلك البلاد.
٣. سرد جعفر - ﵁ - عيوب وفواحش الجاهلية بأسلوب بليغ وصيغة موجزة، فلم يحتج النجاشي للسؤال بمزيد من التفاصيل عن الجاهلية التي كانوا فيها قبل الإسلام، هذا الأسلوب كان له الأثر البليغ في قلب النجاشي ممَّا جعله ينفر من الجاهلية ومساوئها، ثمَّ سرد - ﵁ - بعد ذلك محاسن الإسلام التي هي مضاده لمساويء الجاهلية بنفس الأسلوب المُميَّز الذي تكلم فيه عن مساويء الجاهلية، فأوقع في ذهن النجاشي الصورة المتكاملة والمقارنة الموجزة لحالة المسلمين قبل وبعد الإسلام.
٤. قد يكون المغزى في إختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر - ﵁ - كمتحدث باسم المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي هو كونه ابن عم رسول الله ص فهو أعرف به وألزم له من غيره من بقية الصحابة الذين كانوا في الحبشة، فإخباره عن رسول الله صيكون عن بصيرة وعلم
[ ٧٧ ]
وخبرة وقربٍ، أكثر من غيره، ولذلك قال: «بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه».
٥. نرى في كلام جعفر أنه ذكر الجوانب الأخلاقية الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين الأمم وبين الناس جميعًا، من أصحاب الفطر السوية، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار، وتسلب أو تُميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام العظيمة، ولذلك قال: (وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات».
٦. أحسن جعفر - ﵁ - ختام حواره مع النجاشي عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو أهلٌ له، من غير زيادة، ومن أخلاق المسلم الحق وإنصافه وعدله أن يذكر الحق والحقيقة الواقعية حتى وإن كانت هذه الحقيقة عند غير المسلم، ويتمثل هذا الأمر في قوله: (فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك; ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك)، وهذا ممَّا شجع النجاشي أن يسأله بلهفة: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ﷿؟
٧. الداعية إلى الله يجب أن يكون جاهزًا باستمرار، حاملا لأدوات الدعوة، مستوفيًا شروط الداعية، متأهبًا للأحداث الطارئة والجديدة، فلم يتلكأ جعفر - ﵁ - عندما سُئل: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ﷿؟، فقال: نعم بثقة وثبات. فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم، ولقد كان موفقًا في إختيار ماذا يقرأ؛ فإن في صدر سورة مريم قصة زكريا
[ ٧٨ ]
ويحيى وعيسى ﵈ جميعًا، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه.
٨. أعداء الإسلام لا يستسلمون في كل زمان ومكان، فهدفهم الرئيسي هو إبادة الإسلام والمسلمين، حتى لو كانوا مختلفين مع حلفائهم في العقيدة والدين، فها هو عمرو بن العاص - ﵁ - داهية العرب لم يستسلم بعد إعطاء النجاشي الأمان للمسلمين، فذكر للنجاشي أمرًا متعلقًا بالعقيدة والدين؟ لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة. فقد هدَّد عمرو وأقسم بإخبار النجاشي أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبد، لعلمه أنهم يقولون بألوهية عيسى ﵇.
وهنا نرى ميلَ عمرو بن العاص وقد كان وثنيًا مشركًا -حينها - للنصرانية.
فهو يريد الفتنة، وهذا ديدن أعداء الإسلام.
٩. ثبات جعفر - ﵁ - حتى في المرة الثانية التي دعاهم فيها النجاشي، رغم أنَّ الدعوة الثانية كانت أصعب لما فيه من مساس بعقيدة النصارى والتي كان يدين بها النجاشي، فقد قال: نقول ما جاء به نبينا ص، فليس القول قولنا، وليس هو اجتهاد وإنما هو دين ووحي. فعيسى؛ عبد ورسول أرسله الله كما أرسل محمدًا ص. وهو بهذا جمع محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة، فالله يبرئ مريم ﵍ مما يقذفها به بعض اليهود فلا عيسى ﵇ ابن الله، ولا هو الله، بل هو بشر كسائر البشر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (^١).
_________________
(١) الثفروق بضم الفاء - قمع التمرة، أو ما يلتزق به قمعها، ويعني هنا الشيء اليسير.
[ ٧٩ ]