لقب - ﵁ - بالجواد (^١)، لأنه كما قيل: لم يكن بالإسلام أسخى
_________________
(١) انظر: لباب الأنساب والألقاب والأعقاب لابن فندق البيهقي (١/ ٢٣).
[ ١٤٤ ]
منه (^١)، وكان يسمى أيضًا بحر الجود (^٢)، وهو الذي يقال له قطب السخاء (^٣)، ويقولون: إن أجواد العرب في الإسلام عشرة، فأجواد أهل الحجاز: عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وسعيد بن العاص، وأجواد أهل الكوفة: عتاب بن ورقاء أحد بني رباح بن يربوع، وأسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وأجواد أهل البصرة: عمرو بن عبيد الله بن معمر، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو طلحة الطلحات، وعبيد الله بن أبي بكرة، وأجواد أهل الشام: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وليس في هؤلاء كلهم أجود من عبد الله بن جعفر.
وعندما عوتب في كثرة سخائه وجوده ردَّ قائلًا: إن الله ﷿ عودني عادة، وعود الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قطعت عني؛ وأخباره في الجود كثيرة، ﵀ (^٤).
ومن الأدلة على أنَّ عبد الله بن جعفر - ﵁ - من أسخى الناس، أنه كان يعطي الجزيل الكثير ويستقله، وقد تصدق مرة بألفي ألف، وأعطى مرة رجلا ستين ألفا، ومرة أعطى رجلا أربعة آلاف دينار، وقيل إن رجلا جلب مرة سكرًا إلى المدينة فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيمه أن يشتريه وأن يهديه للناس (^٥).
_________________
(١) فوات الوفيات للكتبي (٢/ ١٧٠).
(٢) انظر: أسد الغابة (١/ ٥٩٠)، وفوات الوفيات للكتبي (٢/ ١٧٠).
(٣) الثقات لابن حبان (٣/ ٢٠٧)، وانظر الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٢٦٥).
(٤) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٢٦٥)، وفوات الوفيات للكتبي (٢/ ١٧٠).
(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤١)، فعن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: (جلب رجل من التجار سكرا إلى المدينة فكسد عليه فبلغ عبد الله بن جعفر فأمر قهرمانه أن يشتريه وينهبه الناس). أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٨٤)، والخطيب البغدادي (٣/ ١٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٨)، رقم (١٠٨٨٦)، والبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٥٠٨)، رقم (١٤٨٩)، وانظر تاريخ الإسلام للذهبي (٥/ ٤٣٢)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ٤٦١).
[ ١٤٥ ]
وقيل: إن معاوية لما حج ونزل في دار مروان قال يوما لحاجبه: أنظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانا - وعد جماعة - فخرج فلم ير أحدا، فقيل له: هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون، فأتى معاوية فأخبره فقال: ما أنا إلا كأحدهم، ثم أخذ عصا فتوكأ عليها ثم أتى باب ابن جعفر فاستأذن عليه ودخل فأجلسه في صدر فراشه، فقال له معاوية: أين غداؤك يا ابن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شيء فأدعو به؟ فقال معاوية: أطعمنا مخا، فقال يا غلام هات مخا، فأتى بصحيفة فأكل معاوية، ثم قال ابن جعفر لغلامه، هات مخا، فجاء بصحيفة أخرى ملآنة مخا إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات، فتعجب معاوية وقال: يا بن جعفر ما يشبعك إلا الكثير من العطاء، فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار (^١).
ومدحه نصيب فأعطاه إبلًا وخيلًا وثيابًا ودنانير ودراهم فقيل له: تعطى لهذا الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فشعره أبيض ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ما يبلى ويفنى وأعطانا مدحًا يروى وثناء يبقى.
وقد قيل: إن هذا الخبر إنما جرى لعبد الله بن جعفر مع عبد الله بن قيس
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤١ - ٤٢).
[ ١٤٦ ]
الرقيات. وأخباره في الجود كثيرة جدًا (^١).
وعن داود بن الهيثم عن أبيه عن جده إسحاق: أن أعرابيًا أتى عبد الله بن جعفر وهو محموم فأنشأ يقول:
كم لوعة للندى وكم قلق للجود والمكرمات من قلقك
ألبسك الله منه عافية فتي نومك المعتري وفي أرقك
أخرج من جسمك السقام كما أخرج ذم الفعال من عنقك
فأمر له بمائة ألف دينار (^٢).
وعن علي بن محمد عن أبي إسحاق المالك قال: وجه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن جعفر مالا جليلا هدية له قال: ففرقه في أهل المدينة ولم يدخل منزله منه شيئًا.
قال: فبلغ ما فعل عبيد الله بن قيس الرقيات فقال: في قصيدة له يمدح بها الأمراء:
وما كنت إلا كالأغر بن جعفر رأى المال لا يبقى فأبقى به ذكرا (^٣)
قال الحافظ عبد الغنى: يقال: لم يكن فى الإسلام أسخى منه. وقال ابن قتيبة فى المعارف: كان عبد الله بن جعفر أجود العرب، وأخبار أحواله فى السخاء والجود والحلم مشهورة لا تُحصى (^٤).
_________________
(١) الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٢٦٥).
(٢) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٨٤)، والخطيب البغدادي (٦/ ٣٨٠).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٧، رقم ١٠٨٨٣)، وابن عساكر (٢٧/ ٢٨٥).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٣٧١).
[ ١٤٧ ]
قال النووي ﵀: «ومما روينا عنه أنه أقرض الزبير بن العوام ألف ألف درهم، فلما قتل الزبير قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر: وجدت فى كتب أبى أن له عليك ألف ألف درهم، فقال: هو صادق، فاقبضها إذا شئت، ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر، إني وهمت، المال لك على أبي، قال: فهو لك، قال: لا أريد ذلك، قال: فإن شئت فهو لك، وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت» (^١).
قيل: أن أعرابيًا وقف على مروان بن الحكم أيام الموسم بالمدينة فسأله فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فإذا ثقله قد سار نحو مكة وراحلته بالباب عليها متاعها وسيف معلق فخرج عبد الله فأنشأ الأعرابي يقول:
أبو جعفر من أهل بيت نبوة صلاتهم للمسلمين طهور أبا جعفر إن الحجيج ترحلوا وليس لرحلي فاعلمن بعير
أبا جعفر ضن الأمير بماله وأنت على ما في يديك أمير
أبا جعفر يا ابن الشهيد الذي له جناحان في أعلى الجنان يطير
أبا جعفر ما مثلك اليوم أرتجي فلا تتركني بالفلاة أدور
فقال: يا أعرابي، سار الثقل، فعليك بالراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف، فإني أخذته بألف دينار (^٢).
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ٥٩١)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٣٧١)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٦٠).
(٢) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٧٠)، وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٥٩).
[ ١٤٨ ]
ويروى: أن شاعرًا جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده:
رأيت أبا جعفر في المنام كساني من الخز دَرَّاعة
شكوت إلى صاحبي أمرها فقال: ستؤتى بها الساعة
سيكسوكها الماجد الجعفري ومن كفه الدهر نفاعة
ومن قال للجود: لا تعدني فقال لك: السمع والطاعة
فقال عبد الله لغلامه: ادفع إليه جبتي الخز.
ثم قال له: ويحك! كيف لم تر جبتي الوشي؟ اشتريتها بثلاث مائة دينار منسوجة بالذهب.
فقال: أغفى غفيةً أخرى، فلعلي أراها.
فضحك عبد الله، وقال: ادفعوها إليه (^١).
قال البلاذري: حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن ابن خُرَّبوذ: «أن عبد الله بن جعفر كلم في تزويج يتيم من قريش فوهب له مائة ألف درهم، فذكر ذلك لمعاوية فقال: إذا لم يكن الهاشمي سخيًا لم يشبه من هو منه» (^٢).
وقال أيضًا: «حدثني علي بن محمد المدائني، عن يزيد بن عياض بن جُعْدبة قال: ابتاع عبد الله بن جعفر حائطًا من رجلٍ من الأنصار بمائتي
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٧١)، وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٥٩).
(٢) أنساب الأشراف للبلاذري (٢/ ٢٩٩).
[ ١٤٩ ]
ألف درهم فرأى ابنا له يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: كنت أظن أني وأبي نموت قبل خروج هذا الحائط من أيدينا، لقد غرست بعض نخله بيدي. فدعا أباه ورد عليه صكه وسوغه المال».
وحدثني أبو مسعود بن العَتابَ عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد الله بن جعفر: عجبًا لمن يشتري العبيد بماله كيف لا يستعبد الأحرار بمعروفه.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، أخبرني الثقة، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال قدم عبد الله بن جعفر من الشام يريد المدينة فأتى على قوم من العرب قد تحاربوا ووقعت بينهم قتلى فوداهم بثلاث مائة ألف وكسر، وأصلح بينهم وهيّأ طعامًا أنفق عليه مالًا، ثم أطعمهم فقال شاعرهم:
ما البحر أجود من كفيك حين طما ولا السحاب إذا ما راح محتفلا
أغاثنا الله بالمحمود شميتُه شبه النبي الذي قُفّي به الرسلا
وأتاه رجل من أعراب بني كنانة فأنشد وهو في سفره:
إنك يا بن جعفر نعم الفتى ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرف الحّي سرى صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
إذا الحديث طرف من القرى
ويقال: إن الأبيات في غيره، وقال من زعم أن الأبيات فيه: «إنه أعطاه خمسين ناقة» (^١).
_________________
(١) أنساب الأشراف للبلاذري (٢/ ٢٩٩).
[ ١٥٠ ]