قال حسان بن ثابت يرثي قتلى مؤتة ومنهم جعفر - ﵁ - في قصيدة
تأوَّبَني (^٢) لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أعْسَرُ (^٣) وَهَمٌّ، إذا ما نَوّمَ النّاسُ، مُسْهِرُ (^٤)
_________________
(١) سورة آل عمران الآية «١٦٩».
(٢) تأوبني: عاودني ورجع إلى.
(٣) أعسر: عسير.
(٤) مسهر: مانع من النوم.
[ ١٢٨ ]
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيّجتْ ثمّ عَبْرَةً سَفُوحًا (^١)، وأسْبَابُ البُكاء التَّذكُّرُ
بلى إن فقدانَ الحبيبِ بليةٌ وكمْ منْ كريمٍ يُبْتَلى، ثمّ يَصْبِر
رأيتُ خيارَ المؤمنينَ تواردوا شَعُوبَ (^٢) وقدْ خُلّفْتُ فيمن يُؤخَّرُ
فلا يُبْعِدَنّ الله قَتْلَى تَتَابَعُوا بمؤتةَ، منهمْ ذو الجناحينِ جعفرُ
وَزَيْدٌ، وعبْدُ اللَّهِ، حِينَ تتابعوا جميعًا، وأسبابُ المنيةِ تخطرُ (^٣)
غداةَ غدوا بالمؤمنينَ يقودهمْ إلى الموتِ ميمونُ النقيبة (^٤) أزهرُ (^٥)
أغَرُّ كَلَوْنِ البَدرِ من آلِ هاشِمٍ أبيٌّ (^٦) إذا سيمَ (^٧) الظلامةَ مجسرُ (^٨)
فطاعنَ حتى ماتَ غيرَ موسدٍ بمُعْتَرَكٍ (^٩)، فِيهِ القَنَا يَتَكَسّرُ
فَصَارَ مَعَ المُسْتَشْهَدِينَ ثَوَابُهُ جنانٌ، وملتفُّ الحدائقِ، أخضرُ
وكنا نرى في جعفرٍ من محمدٍ وَفَاءً، وأمْرًا حازِمًا حينَ يأمُرُ
فما زالَ في الإسلامِ منْ آلِ هاشمٍ دعائمُ عزٍّ لا ترامُ ومفخرُ
_________________
(١) السفوح: السائلة الغزيزة.
(٢) شعوب بضم الشين: جمع شعب وهي القبيلة. وشعوب بالفتح: اسم للمنية.
(٣) تخطر: تختال وتهتز.
(٤) ميمون النقيبة: مسعود الجد.
(٥) أزهر: أبيض.
(٦) الأبي: العزيز الجانب.
(٧) سيم: كُلِّف وحُمِّل.
(٨) المجسر: المقدام الجسور.
(٩) المعترك: موضع الحرب.
[ ١٢٩ ]
همُ جبلُ الإسلامِ، والناسُ حولهُ رضامٌ (^١) إلى طودٍ (^٢) يروقُ ويقهرُ
بهالِيلُ (^٣) منهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيٌّ، ومِنهُمْ أحْمَدُ المُتَخَيَّرُ
وَحَمزَةُ، والعَبّاسُ مِنْهمْ ومِنْهُمُ عقيلٌ، وماءُ العودِ من حيثُ يعصرُ
بهمْ تُفْرَجُ اللأواءُ (^٤) في كلّ مأزقٍ عماسٍ (^٥)، إذا ما ضاقَ بالقوم مصدرُ
هُمُ أوْلِيَاءُ اللَّهِ أنْزَلَ حُكمَهُ عليهم، وفيهمْ ذا الكِتَابُ المُطهَّرُ (^٦)
وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب - ﵁ -:
ولقدْ بكيتُ، وعزّ مهلكُ جعفرٍ حِبِّ النبيّ، على البريّةِ كلّها
ولقد جزعتُ، وقلتُ حينَ نعيتَ لي من للجلادِ لدى العقابِ (^٧) وظلها
بالبِيضِ، حينَ تُسلُّ مِنْ أغمادِها يومًا، وإنهالِ (^٨) الرماحِ وعلها (^٩)
بعدَ ابنِ فاطمة (^١٠) المباركِ جعفرٍ خَيْرِ البَرِيّةِ كُلِّها وأجَلّها
رُزءًا، وأكرَمِها جَميعًا مَحْتِدًا (^١١) وأعَزِّها مُتَظَلِّمًا، وأذَلّها
_________________
(١) الرضام: جمع رضمة وهي الحجارة يرضم بعضها فوق بعض.
(٢) الطود: الجبل.
(٣) البهاليل: جمع البهلول، وهو السيد الوضيء الوجه.
(٤) اللأواء: الشدة.
(٥) العماس: المظلم، يريد ظلامه من كثرة النقع المثار وقت الحرب.
(٦) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨٤)، السيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٤٩٢)، الروض الأنف (٤/ ١٣٣).
(٧) العقاب: اسم راية رسول الله - ﵌ -.
(٨) الأنهال: أن تسقي الناس بعد الشراب الأوّل، يريد الطعن بعد الطعن.
(٩) العلّ: الشرب الثاني.
(١٠) فاطمة: هي فاطمة بنت أسد بن هاشم ثم أم جعفر وعلي ابني أبي طالب.
(١١) المحتد: الأصل.
[ ١٣٠ ]
للحقّ حينَ ينوبُ غيرَ تنحلٍ (^١) كَذِبًَا، وأندَاها يدًا، وأقَلّها
فُحشًا، وأكثرِها، إذا ما يُجتدَى (^٢) فضلًا، وأبذلها ندى، وأَبَلَّها
بالعُرفِ غَير مُحمد لا مِثله حي من أحياء البرية كلِّها (^٣)
وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل:
نَامَ الْعُيُونُ وَدَمْعُ عَيْنِك يَهْمُلُ سَحّا كَمَا وَكَفَ الطّبَابُ (^٤) الْمُخْضَلُ
فِي لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيّ هُمُومُهَا طَوْرًا أَحِنّ وَتَارَةً أَتَمَلْمَلُ (^٥)
وَاعْتَادَنِي حُزْنٌ فَبِتّ كَأَنّنِي بِبَنَاتِ نَعْشٍ وَالسّمَاكِ مُوَكّلُ
وَكَأَنّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَى مِمّا تَأَوّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ
وَجْدًا عَلَى النّفَرِ الّذِينَ تَتَابَعُوا يَوْمًا بِمُؤْتَةِ أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا
صَلّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ (^٦)
صبَرُوا (^٧) بِمُؤْتَةِ لِلْإِلَهِ نُفُوسَهُمْ حَذَرَ الرّدَى وَمَخَافَةً أَنْ يَنْكُلُوا (^٨)
فَمَضَوْا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنّهُمْ فُنُقٌ (^٩) عَلَيْهِنّ الْحَدِيدُ الْمُرْفَلُ (^١٠)
_________________
(١) تنحّل: الانتحال والكذب أيضًا.
(٢) يجتدى: تطلب جدواه والجدوى بفتح الميم هي المنحة والعطيّة.
(٣) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨٧)، السيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٤٨٦)، الروض الأنف (٤/ ١٣٧).
(٤) الطباب: جمع طبابة وهى سير في أسفل القربة يين الخرزتين في المزادة.
(٥) أتململ: أي أنقلب متبرما بمضجعي.
(٦) المسبل: الممطر.
(٧) صبروا نفوسهم: حبسوها على ما يريدون.
(٨) ينكلوا: يرجعوا هائبين لعلوهم.
(٩) الفنق: جمع فنيق، وهو الفحل المكرم الذى لا يركب.
(١٠) المرفل: السابغ.
[ ١٣١ ]
إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرٍ وَلِوَائِهِ قُدّامَ أَوّلِهِمْ فَنِعْمَ الْأَوّلُ
حَتّى تَفَرّجَتْ الصّفُوفُ وَجَعْفَرٌ حَيْثُ الْتَقَى وَعْثُ (^١) الصّفُوفِ مُجَدّلُ (^٢)
فَتَغَيّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ (^٣)
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ فَرْعًا أَشَمّ وَسُؤْدُدًا مَا يُنْقَلُ
قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الْإِلَهُ عِبَادَهُ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ
فَضَلُوا الْمَعَاشِرَ عِزّةً وَتَكَرّمًا وَتَغَمّدَتْ أَحْلَامُهُمْ مَنْ يَجْهَلُ (^٤)
لَا يُطْلِقُونَ إلَى السّفَاهِ حُبَاهُمْ (^٥) وَيُرَى خَطِيبُهُمْ بِحَقّ يَفْصِلُ
بِيضُ الْوُجُوهِ تُرَى بُطُونُ أَكُفّهِمْ تَنْدَى إذَا اعْتَذَرَ الزّمَانُ الْمُمْحِلُ (^٦)
وَبِهَدْيِهِمْ رَضِيَ الْإِلَهُ لِخَلْقِهِ وَبِجَدّهِمْ (^٧) نُصِرَ النّبِيّ الْمُرْسَلُ (^٨)
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤتة:
كَفَى حَزَنًا أَنّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللّهِ فِي رَمْسِ أَقْبُر
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَخُلّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ الْمُتَغَبّرِ (^٩)
_________________
(١) الوعث: الإختلاط والإلتحام.
(٢) مجدل: مطروح على الجدالة، وهي الارض.
(٣) تأفل: تغيب.
(٤) تغمدت من يجهل: سترت جهل الجاهلين.
(٥) إطلاق الحباء: كناية عن النهضة للنجدة.
(٦) الممحل: شديد القحط.
(٧) بجدهم: وتُروى وبحدهم معناه بشجاعتهم وإقدامهم.
(٨) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨٦)، والسيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٤٨٨)، والروض الأنف (٤/ ١٣٥).
(٩) المتغبر: الباقي.
[ ١٣٢ ]
ثَلَاثَةُ رَهْطٍ قُدّمُوا فَتَقَدّمُوا إلَى وَرْدِ مَكْرُوهٍ مِنْ الْمَوْتِ أَحْمَرِ (^١)