يذكر السهيلي في الروض الأنف معنى الجناحين فيقول:
(ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطائر وريشه لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، وفي قوله ﵇: «إن الله خلق آدم على صورته» (^٢) تشريف له عظيم وحاشا لله من التشبيه والتمثيل ولكنها عبارة عن صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة وقد قال الله تعالى لموسى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ (^٣) فعبر عن العضد بالجناح توسعا، وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع
_________________
(١) أخرجه ابن عدى (٣/ ٢٣٠، ترجمة ٧٢٤ زمعة بن صالح) وقال: (فيه) سلمة بن وهرام أرجو أنه لا بأس برواياته هذه، والطبرانى (٢/ ١٠٧)، رقم (١٤٦٦)، والحاكم (٣/ ٢١٧)، رقم (٤٨٩٠) وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٦٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٩٠٢، رقم ٢٤٢٠)، ومسلم (٤/ ٢٠١٧، رقم ٢٦١٢)، قال ابن تيمية في تلبيس الجهمية (٦/ ٣٥٥) «متواتر».
(٣) سورة طه الآية «٢٢».
[ ٢٣ ]
الملائكة أخلق به إذا: أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^١) فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل ﵇ (^٢)، فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد أيضا في بيانها خبر فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا علما إعمال الفكر في كيفيتها، وكل امرئ قريب من معاينة ذلك. فإما أن يكون من الذين: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^٣)
وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكة وهم باسطو أيديهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (^٤) (^٥).
وقد عقَّب الحافظ ابن حجر على السهيلي- بعد أن نقل كلامه السابق- فقال:
«وهذا الذي جزم به - أي السهيلي - في مقام المنع، والذي نقله عن العلماء، ليس صريحا في الدلالة لما ادّعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من جهة ما ذكره من المعهود وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف، وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية» (^٦).
_________________
(١) سورة فاطر الآية «١».
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨١)، رقم (٣٠٦٠)، ومسلم (١/ ١٥٨)، رقم (١٧٤).
(٣) سورة فصلت الآية «٣٠» ..
(٤) سورة الأنعام الآية «٩٣».
(٥) الروض الأنف (٤/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٦) فتح الباري لابن حجر (٧/ ٥١٦).
[ ٢٤ ]