كان رسول الله - ﵌ - قد أخذ - بعد فتح مكّة - يُراسل ملوكَ العالَم يدعوهم إلى الإسلام، ومنهم ملك بُصرى إذْ أرسل إليه الحرثَ بن عُمَير الأزديّ، فعرض له شُرَحبيلُ بن عمرو فقتله بعد أن عَرَفه أنّه من رُسُل النبيّ - ﵌ -، فكان ذلك بداية للحرب، وموقعة مؤتة.
_________________
(١) غير متعتع: دون أن يصيبه أذى أو ضرر.
(٢) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر - ﵁ - حديث رقم (١٣).
(٣) مؤتة: قرية من قرى البَلْقاء على حدود الشام، وهي اليوم معروفة في دولة الأُردنّ.
[ ٨٧ ]
لم يشارك جعفر - ﵁ - في أي معركة قبل سنة ثمان للهجرة، وذلك لأنه كان في الحبشة، فقد كان يتمنى ويتلهف شوقًا أن يغزو مع رسول الله - ﵌ -، للفوز بالشهادة والجنة، بل كانت تتوق نفسه لأعلى الجنان، بعد أن امتلأت نفسه روعة بما سمع من أنباء إخوانه المؤمنين من الصحابة الذين خاضوا مع النبي - ﵌ - غزوة بدر، وأحد وغيرهما من المشاهد والمغازي التي لم يشارك فيها جعفر - ﵁ -.
لقد كان - ﵁ - ينتظر اللحظة الحاسمة، ليلحق بركب من سبقه من الشهداء، فقد أراد إحدى الحسنيين، فإمّا أن يحقق فيها نصرًا كبيرا لدين الله، وإمّا أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله.
ولم يطل انتظاره - ﵁ - ولم يطل مكثه في المدينة بعد قدومه من الحبشة، فقد بعثه رسول الله - ﵌ - في سنة ثمان للهجرة إلى موقعة مؤتة، ليكون ثاني قائد لها بعد زيد بن حارثة - ﵁ -.
(وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية، لمقاتلة ومنازلة الروم.
وهي المعركة الوحيدة التي أمّر فيها النبي - ﵌ - ثلاثة أمراء، وهي أيضًا الوحيدة التي نصّ النبي - ﵌ - على نتيجتها وخبرها وحيًا وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين) (^١).
وكان جعفر يعلم علم اليقين، أنها حرب ضارية، لم يخض المسلمون مثلها من قبل، إنها معركة مع امبراطورية الروم، التي تمتلك من العدة والعتاد ما لا
_________________
(١) من دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح.
[ ٨٨ ]
يستطيع لأي جيش أن يصمد أمامها، ومع هذا كان - ﵁ - من أشد المسلمين فرحًا بكونه ثاني ثلاثة جعلهم رسول الله - ﵌ - قوادًا للجيش وأمراءه.
فعن عروة بن الزبير قال: «بعث رسول الله - ﵌ - بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن
أبي طالب على الناس. فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» (^١).
قال ابن إسحاق: «فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة. فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون» (^٢).
وبلغ المسلمين أنّ هرقل قد نزل أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من نصارى العرب من قبائل لَخْم وجُذام وقُضاعة وغيرها، مقابل ثلاثة آلاف من المسلمين الشجعان المجاهدين في سبيل الله، من حملة القرآن الكريم.
فهل أخذت جعفر - ﵁ - الرهبة عندما بَصر جيش الروم بهذا العدد الضخم مقابل عدد المسلمين القليل؟
لا، بل على العكس من ذلك، فقد أخذته نشوة عارمة إذ أحسّ بلذة القتال في سبيل الله، فازداد حماسًا إلى حماس.
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٧٣)، والطبراني (٥/ ٨٤)، رقم (٤٦٥٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٣١): «رواه الطبراني ورجاله ثقات إلى عروة».
(٢) أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٧٧).
[ ٨٩ ]
قال ابن إسحاق: «تم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﵌ - حتى شاط (^١) في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه (^٢) القتال اقتحم عن فرس (^٣) له شقراء، فعقرها (^٤)، ثم قاتل القوم حتى قتل» (^٥).
نعم فما كادت الراية توشك على السقوط من يد زيد بن حارثة - ﵁ -، حتى تلقاها جعفر بيده ومضى يقاتل بها في إقدام لا مثيل له، نعم إنه يبحث عن الشهادة.
ولم تكن قيادة جعفر - ﵁ - بمعزل بل كانت في مقدمة الصفوف.
وبعد أن عقر فرسه، انطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه كالإعصار، وراح يصوِّب سيفه ويسدده إلى نحور أعدائه، من غير توقف، لا يبالي بطعناتهم، ولا ضرباتهم، رغم كثرتها، فإنه ثابت - ﵁ - حتى آخر رمق.
قال ابن هشام: «وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل - ﵁ - وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين» (^٦).
_________________
(١) يقال شاط الرجل: إذا سال دمه فهلك.
(٢) ألحمه القتال: نشب فيه فلم يجد مخلصًا.
(٣) اقتحم عن فرس: رمى بنفسه عنها.
(٤) عقرها: ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف.
(٥) أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٧٨).
(٦) أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٧٨).
[ ٩٠ ]
وهذا دليل شجاعة وإقدامٍ وثباتٍ وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسيةٍ من جعفر ﵃ وأرضاه.
وهكذا تركّزت كل مسؤولية جعفر - ﵁ - في ألا يدع راية رسول الله - ﵌ - تلامس التراب وهو حيّ، حتى حين تكوَّمت جثته الطاهرة - ﵁ -، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، وتمسَّك بها إلى آخر لحظة في حياته غير مبالٍ بطعنات أعدائه.
ثم شق الصفوف عبدالله بن رواحة - ﵁ - كالسهم متجهًا لحمل الراية، وأخذها وقاتل قتالًا شديدًا حتى استشهد.
فعن أنس - ﵃ -: (أن النبي - ﵌ - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (^١).
وعن أبي قتادة فارس رسول الله - ﵌ - قال: «بعث رسول الله - ﵌ - جيش الأمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٥٤) رقم (٤٠١٤)، قال ابن إسحاق: «ولما أصيب القوم قال رسول الله - ﵌ - فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، قال: ثم صمت رسول الله - ﵌ - حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم قال لقد رفعوا إلي في الجنة»، أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٧٩).
[ ٩١ ]
أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا، قال: امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله - ﵌ - صعد المنبر، وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله - ﵌ -: ناب خير، أو بات خير، أو ثاب خير - شك عبد الرحمن يعني ابن مهدي-، ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفروا له - ثم أخذا اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدًا، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد ابن الوليد - ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه - ثم رفع رسول الله - ﵌ - أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره - فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (^١) - ثم قال: انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا» (^٢).
روى البخاري رواية يظهر فيها مدى حزن الرسول - ﵌ - على جعفر وصاحبيه - ﵃ -، حتى أنَّه سال الدمع من عينيه الشريفتين:
فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﵌ -: «أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب- وإن عيني رسول الله - ﵌ - لتذرفان (^٣) - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» (^٤).
_________________
(١) هذا يبيّن فضيلة خالد بن الوليد - ﵁ -.
(٢) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصّحيحة في ذكر جعفر - ﵁ -»، حديث رقم (٣).
(٣) تذرفان: أي تدفعان الدمع.
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٤٢٠، رقم ١١٨٩).
[ ٩٢ ]
فيا له من مشهد فريد من نوعه، فالرسول - ﵌ - ينعى أصحابه الثلاثة بعد أن حزن عليهم أشد الحزن وذرفت عيناه، وينقل مشهد المعركة لصحابته الذين في المدينة ويبشِّرهم بشهادتهم في سبيل الله وعيناه تذرفان، فهنيئًا لهم جهادهم وهنيئًا لهم الجنة.