ركب رسول الله - ﵌ - وصحبه إلى مكة، حيث أرادوا العمرة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، فكان صلح الحديبية، وبعد هذا الصلح وخروج النبي - ﵌ - من مكة راجعا للمدينة تبعتهم ابنة حمزة - ﵁ -، فاختصم في أخذها علي وزيد وجعفر - ﵃ -:
فعن البراء - ﵁ - قال: «اعتمر النبي - ﵌ - في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلمَّا كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله - ﵌ - فقالوا: لا نقر بها فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك لكن أنت محمد بن عبد الله، قال: «أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». ثم قال لعلي: «امح رسول
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٥٩) (١٣٧٠) وفي فضائل الصحابة (٢/ ٧١٢)، رقم (١٢١٩)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٨٥)، رقم (٤٩٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٩٨)، رقم (٢٧٨٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٨)، رقم (٧٧٣٤) وقال: صحيح الإسناد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٠٢) فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٤/ ٣٥١)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٢١٢): السند حسن (بالمتابعات)، رجاله ثقات، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبدالله بن محمد.
[ ١١٣ ]
الله». قال: لا والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله - ﵌ - الكتاب فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها». فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي - ﵌ -، فتبعتهم ابنة حمزة يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذها بيدها، وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك احملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي - ﵌ - لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم». وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك». وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (^١).
وفي رواية عن علي - ﵁ - قال: «خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة بن عبد المطلب فقال جعفر بن أبى طالب: أنا آخذها وأنا أحق بها، بنت عمي وعندي خالتها، وإنما الخالة أم، وهي أحق بها، وقال علي: بل أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله - ﵌ -، وهى أحق بها، وإنى لأرفع صوتى ليسمع رسول الله - ﵌ - حجتي قبل أن يخرج، وقال زيد: بل أنا أحق بها، خرجت إليها وسافرت، وجئت بها، فخرج رسول الله - ﵌ - فقال ما شأنكم؟، فقال علي: بنت عمي، وأنا أحق بها، وعندي ابنة رسول الله - ﵌ - تكون معها، أحق بها من غيرها، وقال جعفر:
_________________
(١) أخرجه البخارى (٢/ ٩٦٠)، رقم (٢٥٥٢)، والترمذى (٤/ ٣١٣)، رقم (١٩٠٤)، وابن حبان (١١/ ٢٢٩)، رقم ٤٨٧٣)، والنسائى فى الكبرى (٥/ ١٦٨)، رقم ٨٥٧٨)، والبيهقى (٨/ ٥)، رقم (١٥٥٤٦).
[ ١١٤ ]
أنا أحق بها يا رسول الله، ابنة عمي، وعندي خالتها، والخالة أم، وهي أحق بها من غيرها، وقال زيد: بل أنا أحق بها يا رسول الله، خرجت إليها، وتجشمت السفر، وأنفقت، فأنا أحق بها، فقال رسول الله - ﵌ -: سأقضي بينكما فى هذا وفي غيره، قال علي: فلما قال: وفى غيره، قلت: نزل القرآن في رفعنا أصواتنا، فقال رسول الله - ﵌ -: أما أنت يا زيد بن حارثة، فمولاى ومولاها، قال: قد رضيت يا رسول الله. قال: وأما أنت يا جعفر، فأشبهت خلقى وخلقى، وأنت من شجرتى التي خلقت منها، قال: رضيت يا رسول الله، قال: وأما أنت يا علي، فصفيى وأمينى، وأنت منى وأنا منك، قلت: رضيت يا رسول الله، قال: وأما الجارية فقد رضيت بها لجعفر، تكون مع خالتها، والخالة أم، قالوا: سلمنا يا رسول الله» (^١).
وهكذا قضى رسول الله - ﵌ - بينهم قضاءً عظيمًا فريدًا، فهو - ﵌ - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وانظر أيضًا إلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله - ﵌ -، كلٌ يفضي إلى ابنة حمزة بنسب أو سبب، فكيف يكون القضاء؟ ولابد من أن يقضي لواحدٍ، فكيف يكون لغيره الرضا؟ فقضى بها النبي ﵊ لخالتها، وهي زوجة جعفر - ﵁ -، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، ثم قال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخُلقي» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فأثنى على كل واحد منهم بما طيَّب نفسه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٤)، رقم (٢٢٧٨) وسكت عنه (وقد قال في رسالته لأهل مكة ص (٢٨) ما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)، والبزار (٣/ ١٠٥)، رقم ٨٩١) واللفظ له، والحاكم (٣/) ٢٣٢، رقم (٤٩٣٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٩): رجاله ثقات، وصححه الألباني في أبي داود (٢٢٧٨).
[ ١١٥ ]
وخاطره، وقضى ﵊ بما هو الأصلح والأكمل.