استُشهد - ﵁ - في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة (^١).
ويذهب المصطفى - ﵌ - إلى أسماء بنت عميس زوج جعفر الطيار الشهيد - ﵁ -، ليُبلّغها خبر استشهاده وعيناه تهراقان الدموع، فيا له من مشهد يجعل العيون تدمع والقلوب تحزن لفراق جعفر - ﵁ -.
فعن عبد الله بن جعفر قال: «أنا أحفظ حين دخل النبى - ﵌ - على أمي ينعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفرًا قد قدم إلى
_________________
(١) تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني (١/ ١٦٢).
[ ١٢٢ ]
أحسن الثواب فاخلفه في ذريته ما خلفت أحدًا من عبادك في ذريته، ثم قال: يا أسماء ألا أبشرك، قالت: بلى بأبي أنت وأمي، قال: فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، قالت: بأبي وأمي يا رسول الله فأعلم الناس بذلك، فقام رسول الله - ﵌ - وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقى على المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه إلا أن جعفرًا قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما فى الجنة، ثم نزل رسول الله - ﵌ - فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام يصنع لأهلي وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده والله غداء طيبًا ومباركًا، عمدت خادمته سلمى إلى شعير فطحنته، ثم نسفته ثم أنضجته وآدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا، فتغديت أنا وأخي معه، فأقمنا ثلاثة أيام فى بيته ندور معه كلما صار فى بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فأتى رسول الله - ﵌ - وأنا أساوم بشاة أخ لي فقال: اللهم بارك له في صفقته، فما بعت شيئًا ولا اشتريت إلا بورك لي فيه» (^١).
وعن عمرة قالت: سمعت عائشة - ﵂ - قالت: «لما جاء النبي - ﵌ - قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن (^٢) وأنا أنظر من صائر الباب -شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن. فأمره أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه الثانية، لم يطعنه، فقال: «انههن». فأتاه الثالثة، قال: والله لقد غلبننا يا رسول الله، فزعمت أنه قال: «فاحث في أفواههن التراب». فقلت: أرغم الله أنفك لم تفعل ما أمرك
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٥٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٧١).
(٢) يعرف فيه الحزن: للرحمة التي في قلبه ولا ينافي هذا الرضى بقضاء الله.
[ ١٢٣ ]
رسول الله - ﵌ - الله ولم تترك رسول الله - ﵌ - من العناء (^١) (^٢).
وعن عبد الله بن جعفر - ﵁ -: «أن النبي - ﵌ - أمهل آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعوا لي بني أخي فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: ادعوا لي الحلاق. فأمره فحلق رؤوسنا» (^٣).
عن أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر - ﵁ - أمرني رسول الله - ﵌ - قال: تَسَلَّبي (^٤) ثلاثا ثم اصنعي ما شئت» (^٥).
عن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو ميسرة: «أنه لما أتى النبي - ﵌ - قتل
_________________
(١) العناء: التعب.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٣٧)، رقم (١٢٣٧)، ومسلم (٢/ ٦٤٤)، رقم (٩٣٥)، والنسائي (٤/ ٣١٣)، رقم (١٨٤٧)، وأحمد (٦/ ٢٧٦)، رقم (٢٦٤٠٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٨٣)، رقم (٤١٩٢)، والنسائي (٨/ ١٨٢)، رقم (٥٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٠٤)، رقم (١٧٥٠)، والطبرانى (٢/ ١٠٥)، رقم (١٤٦١)، وابن عساكر (٢٧/ ٢٥٤)، قال النووي في رياض الصالحين (٥٢٨): «إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم» وصححه أيضًا في المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٩) «رجاله رجال الصحيح»، وصحح إسناده أحمد شاكر في مسند أحمد (٣/ ١٩٢)، قال الألباني في أحكام الجنائز (٣٢) و(٢٠٩) «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وصححه أيضًا في أبي داود (٤١٩٢)، وفي النسائي (٥٢٢٧)، قال شعيب الأرنؤوط في مسند أحمد (١٧٥٠): «إسناده صحيح على شرط مسلم»، قال الوادعي في الصحيح المسند (٥٦٠) و(٥٦١) «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(٤) أي إلبسي ثوب الحِداد.
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٨)، رقم (٢٧٥٠٨)، والبيهقى (٧/ ٤٣٨)، رقم (١٥٣٠٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٦): «رجال أحمد رجال الصحيح»، قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٤٢٩): بعدما ذكر الحديث الذي أخرجه أحمد «قوي الإسناد»، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٢٢٦).
[ ١٢٤ ]
جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة ذكر أمرهم فقال: «اللهم اغفر لزيد- ثلاثا، اللهم اغفر لجعفر ولعبد الله بن رواحة» (^١).
ولما أتى رسول الله - ﵌ - نعي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي (^٢).
وعن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: «كنت فيهم فى تلك الغزوة (^٣) فالتمسنا جعفر بن أبى طالب، فوجدناه فى القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية» (^٤).
وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده - ﵁ - قال: «ضرب جعفر بن أبي طالب رجل من الروم فقطعه بنصفين فوقع إحدى نصفيه في كرم فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا» (^٥).
وقد أخبر - ﵌ - أنه رأى جعفر وصاحبيه يشربون من خمر الجنة:
«بينا أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما. قال: قلت: مَن
_________________
(١) أخرجه ابن سعد (٣/ ٤٦)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥١٥)، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ١٦٢)، وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٣٩٦).
(٣) غزوة مؤتة التي استشهد فيها جعفر بن أبي طالب - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ١٨٢)، رقم (٤٢٦١)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٥٠).
(٥) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٣٠).
[ ١٢٥ ]
هؤلاء؟ قيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى، فقال سليم: ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله أم شيء من رأيه ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخا، وأنتنه ريحا، وأسوأه منظرا. فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار. ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخا، وأنتنه ريحا، كأن ريحهم المراحيض. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني. ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات. قلت: ما بال هؤلاء؟ قيل: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلق بي فإذا أنا بغلمان يلعبون بين نهرين. قلت: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ذراري المؤمنين. ثم شرف بي شرفا، فإذا أنا بثلاثة يشربون من خمر لهم. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر، وزيد، وابن رواحة. ثم شرف بي شرفا آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة. قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم ينتظرونك) (^١).
وهكذا وبعد حياة مليئة بالدعوة والجهاد في سبيل الله، استُشهد جعفر استشهاد الأبطال كما رأينا، وكان موته - ﵁ - من أعظم موتات البشر.
بعد أن كانت سيوف أعدائه ورماحهم طريقًا عبر عليه - ﵁ - ليحوز على
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (١٦/ ٥٣٦، رقم ٧٤٩١)، والحاكم (٢/ ٢٢٨)، رقم (٢٨٣٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد احتج البخاري بجميع رواته غير سليم بن عامر وقد احتج به مسلم ووافقه الذهبي في التلخيص، وأخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٥٧)، رقم (٧٦٦٧)، والنسائي في الكبرى (٣٢٧٣)، وابن خزيمة (١٩٨٦)، قال= =المنذري في الترغيب والترهيب: «لا علة له»، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٣٩٣): «صحيح»، والسلسلة الصحيحة (٣٩٥١)، قال الوادعي في الصحيح المسند (٤٨٣): «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».
[ ١٢٦ ]
الشهادة في سبيل الله.
ذهب ومضى أبو المساكين - ﵁ - والمساكين يندبون فقده، وذهب فارس الفرسان، والشجعان يندبون فقده.
وأنبأ العليم الخبير رسوله - ﵌ - بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى، وبشَّر آل جعفر باستشهاده وأنه يطير في الجنة.
وكان لجعفر يوم توفي إحدى وأربعين سنة (^١)، ويقال: عاش بضعا وثلاثين سنة - ﵁ - (^٢)، وقيل غير ذلك - ﵁ - (^٣).
قال أبو الفرج الأصبهاني: قال علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قتل جعفر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة. وهذا عندي شبيه بالوهم؛ لأنه قتل في سنة ثمان من الهجرة، وبين ذلك الوقت وبين مبعث رسول الله - ﵌ - إحدى وعشرون سنة، وهو أسن من أخيه أمير المؤمنين علي ﵇ بعشر سنين، وكان لعلي حين أسلم سنون مختلفة في عددها فالمكثر يقول كانت خمس عشرة، والمقلل يقول سبع سنين. وكان إسلامه في السنة التي بعث فيها رسول الله - ﵌ - لا خلاف في ذلك. وعلى أي الروايات قيس أمره علم أنه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين (^٤).
_________________
(١) قاله: الزبير بن بكار، انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٧٣).
(٢) سير أعلام النبلاء (١/ ٢١٢).
(٣) أسد الغابة (١/ ١٨٢)، الاستيعاب (١/ ٧٣)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٩٦).
(٤) مقاتل الطالبيين للأصبهاني (٨).
[ ١٢٧ ]
أقول: ورواية أنَّ سنّ جعفر لما استشهد - ﵁ - كان إحدى وأربعين سنه أرجح، إذ أنَّ جعفر أسلم في بداية الدعوة كما علمنا، وحيث أنَّ بعض الروايات تذكر أنَّ علياًّ - ﵁ - أسلم وعمره عشر سنين، والثابت كما مرَّ معنا أنَّ جعفر - ﵁ - كان أسن من جعفر بعشر سنين، فيكون عمر جعفر حين أسلم نحو العشرين سنة، يُضاف إليها ثلاثة عشر سنة بعد البعثة في مكة، وثمان سنوات بعد الهجرة في المدينة حتى وقعت غزوة مؤتة، حيث استشهد - ﵁ -.
فمجموع عمره يكون إحدى وأربعين سنة على التقريب. والله أعلم.
وقد أكرم الله جعفرًا - ﵁ -، بخلود ذكره، وبقاء أثره.
قال جل ذكره: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^١).
فقد قُتل جعفرٌ شهيدًا، بل هو سيد الشهداء، كان يسعى للشهادة، فنالها بعد أن بذل الغالي والنفيس ﵁ وأرضاه.