والآن لنقف بعض الوقفات المستقاة من سيرة جعفر الطيَّار:
أول هذه الوقفات: أن الفضل والأجر والمثوبة بالسبق والعمل والبذل، وليس بالنسب والقرب والحب وحده؛ فإن جعفرًا - ﵁ - وإن كان من النبي - ﵌ - قريب وإليه حبيب - إلا أنه كان لله ﷿ باذلًا، وبأمره قائمًا، ولسنة رسوله - ﵌ - متبعًا، وبشأن دعوته قائمًا، فكان حينئذٍ على هذا المقام العظيم والقدر الجلي الذي كان عليه ﵁ وأرضاه.
وثانيها: أن جعفرًا - ﵁ - لم يكن مع رسول الله - ﵌ - وقتًا طويلًا، وذلك يدلنا على أن أساس الإيمان والإسلام ليس الارتباط بالأشخاص وإنما الاعتقاد بالحق والارتباط بكتاب الله وسنة رسوله - ﵌ -، وهذا أمر عظيم؛ فإن جعفرًا بقي محافظًا على إسلامه مع من معه من الصحابة، يحرصون على الإيمان والطاعة والعبادة ويتصلون ويأخذون ما قد يرد إليهم من أخبار الرسول عليهم الصلاة والسلام، ثم كانوا دعاة يدعون إلى الإسلام ويقيمونه فيما بينهم، وربُّوا عليه أبناءهم وأقاموه في مجتمعهم دون أن يكونوا قريبين ومتصلين مباشرة برسول الله - ﵌ -.
وثالثها: الحرص على السبق والفضل في مناقب الخير والدعوة، والبذل والنصرة لدين الله ﷿ كما رأينا في قصة المفاضلة بين عمر وأسماء ﵃ أجمعين، كانوا أحرص شيءٍ على الخير، وأحب شيء إليهم
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨٨)، والسيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٤٨٨)، والروض الأنف (٤/ ١٣٨)، أسد الغابة (٢/ ١٧٦).
[ ١٣٣ ]
أن يبذلوا وأن يسبقوا في طاعة الله ومرضاته ونصرة دينه وعون عباده.
ورابعها: من الخصال العظيمة التي يعظم بها أثر المسلم، ويخلد ذكره عند الناس، وتكون له في القلوب محبةً عظيمة، ومكانه كبيرة، ما كان من جود جعفر وكرمه ﵁ وأرضاه، وما كان من شجاعته وإقدامه، فكان في هذه الأحوال أي حال السكون وحال الإقامة على ذلك القدم من السبق في الإحسان والجود والإكرام، وكان في موضع الشدة والقتال على ذلك القدم من السبق في الشجاعة والإقدام - ﵁ -.
وخامسها: أن دعوة المسلم يحملها بين جنبيه، يشغل بها فكره، ويهتم بها قلبه، وينطق بها لسانه، ويجتهد في الإحسان والإتقان بقدر ما يستطيع؛ حتى تؤدي الدعوة ثمرتها، وتبلغ غايتها، كما رأينا في فطنة ودعوة جعفر بن أبي طالب - ﵁ - (^١).