لقد نال جعفر - ﵁ - من الجود والكرم مبلغًا ورتبًا لم ينلها الكثير غيره.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٩٦)، رقم (٢٥١٧٢)، المعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٠٥)، رقم (١٤٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٥٦) «فيه من لم أعرفه».
(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٣٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في التلخيص، وقال ابن حجر في الفتح (٧٦/ ٧): إسناده على شرط مسلم، ووافقهم الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٠٠).
(٣) أخرجه ابن عدى (٥/ ١٤٦)، ترجمة ١٣١١ عمرو بن عبد الغفار الفقيمى)، والدارقطني في الغرائب كما في أطرافه لابن طاهر (٢/ ٢٩٧)، رقم (١٤٠٩)، والحاكم (٣/ ٤٢، رقم ٤٣٤٨) أن النبى - ﵌ - لما جاءه قتل جعفر داخله من ذلك فأتاه جبريل فذكره. وقال الحاكم: له طرق عن البراء قال الذهبي في التلخيص: قلت: كلها ضعيفة عن البراء، قلت: لكن فيما تقدم من طرق ذكرها الألباني من غير طريق البراء كفاية، انظر: السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٠٠)، لذا صحَّحه في صحيح الجامع (١٧٩٢).
[ ١٠٢ ]
فلم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصة بمجيء جعفر من الحبشة بأقل من فرحة الرسول - ﵌ -، فقد كان جعفر - ﵁ - شديد العطف والرعاية على الضعفاء والفقراء، كثير البِر بهم.
فعن أبي هريرة - ﵁ - (^١) قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب (^٢) بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة (^٣) التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها (^٤) (^٥) أي أن العكة من العسل أو السمن تكون ليس فيها شيء، فيشقها حتى يلعقوا بقاياها التي فيها من شدة كرمه. وكان يعطي ما عنده، ولا يستبقي شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، ولذلك كثر مدح أبي هريرة له على وجه الخصوص؛ لأنه كان من الفقراء، ويعلم - ﵁ - شدة الفقر والجوع.
وأبو هريرة - ﵁ - كان متعلقًا بجعفر - ﵁ - لعدة أسباب منها: أنَّه من آل بيت النبي - ﵌ -، وهو من أوائل من هاجر في سبيل الله، ومن أصحاب السفينة والهجرتين، وهو من أصحاب الكرم؛ فقد كان يتفقد أهل الصفة دائمًا، ويعطيهم
_________________
(١) أبو هريرة - ﵁ - كان من أهل الصفة، ومن فقراء المسلمين الذين كانوا ليس لهم مصدر عيش ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم.
(٢) ينقلب: يرجع.
(٣) العكة: وعاء من جلد يجعل فيه السمن وغيره.
(٤) قال ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٧٦) والعيني في عمدة القاري (٢٤/ ٣٤٤): (فإن قلت: بين قوله: ليس فيها شيء وبين قوله: فنلعق منافاة ظاهرًا، قلت: لا منافاة، لأن معنى قوله: ليس فيها شيء، يعني يمكن إخراجه منها بغير قطعها، ومعنى قوله: فنلعق يعني بعد الشق نلعق مما يبقى في جوانبها).
(٥) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر - ﵁ -، حديث رقم (٨).
[ ١٠٣ ]
ويطعمهم، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله - ﵌ - أفضل من جعفر بن أبي طالب - ﵁ -» (^١).
وعنه أيضًا - ﵁ - أنه قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب» (^٢).
وهذا يدل على بروز هذا الخلق عند جعفر - ﵁ -؛ لأن جعفرًا كان في الحبشة، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد خيبر، وجعفر - ﵁ - كما سيأتي- شارك في مؤتة واستشهد فيها، أي أن عامًا واحدًا هو الذي كان يجمع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة، ومع ذلك كان كرم جعفر - ﵁ - مشتهرًا حتى لقب بأبي المساكين، حتى كان أبو هريرة - وهو من هو- يذكر أنه ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله - ﵌ - خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب، لما كان لأثر كرمه وجوده على أبي هريرة، وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا يدلنا على هذه المنقبة العظيمة التي تدل على نفس سمحة سخية، وعلى رغبة في الأجر والمثوبة، وإدخال السرور إلى قلوب الضعفاء والمحتاجين.
وهنا نرى دقة الصحابة في النقل والرواية، ونرى أنهم لا يكتمون أدنى فضيلة ذُكرت لآل البيت، وهذا إن دل فإنما يدل على محبتهم، فالمحبة في الله هي شعارهم، حتى إننا نجد أنَّ من ينقل
_________________
(١) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر - ﵁ -، حديث رقم (١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٢٤) (٣٧٠٨)، وفي (٧/ ١٠٠) (٥٤٣٢).
[ ١٠٤ ]
فضائل ومآثر آل البيت - ومنهم جعفر - ﵁ - أكثرهم ليسوا من آل البيت، ولولاهم لما وصلت إلينا هذه الفضائل.