وهنا بيان لمعرفة النبي ص للصحابة، وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم، فإن جعفرًا - ﵁ - كان في الحبشة وقتًا طويلًا، فلم يشهد غزوة بدرٍ ولا أحد ولا الخندق ولا الحديبية ولا خيبر، لكنه وافى مع الصحابة خيبر، فقسم له النبي ص من غنائم خيبر، وأول معركة أو غزوة عظيمة كانت بعد ذلك جعل النبي ص جعفرًا من قادتها، وهي غزوة مؤتة، قاتل زيد حتى استشهد، فحمل الراية جعفر - ﵁ -، وقاتل قتال الأبطال.
فقد كان جعفر - ﵁ - قوياًّ شديدًا على أعداء الله، محبًا للشهادة في سبيل الله، فقد عقر فرسه بعد أن رأى الغلبة يوم مؤتة، وإنما فعل ذلك موِّطنا نفسه على الموت في سبيل الله، لأنه إذا قتل فرسه وبقي راجلًا فقد حقق عزيمته على القتال، وأنه لا يفر ولا ينهزم:
فعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: «حدثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف، وكان في الغزاة، غزاة مؤتة، قال: والله، لكأني أنظر إلى جعفر، حين اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣)، رقم (٢٥٧٣)، والطبراني (١٨/ ٤٧٤) وانظر أيضا: (١٨/ ٤٧٣)، والبيهقي (٩/ ٨٧)، وأخرجه أيضا ابن اسحاق، انظر: الإصابة (١/ ٤٨٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٤): رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه (٢/ ٣١٩): إسناده جيد، وحسَّنه ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٥١١)، وحسَّنه الألباني في أبي داود (٢٥٧٣).
[ ١٠٥ ]
قال ابن اسحاق: وهو أول من عقر من المسلمين دابته (^١).
وكان من شجاعته أنه قُتل مقبلًا غير مدبر رغم كثرة جراحه وطعنات الكفار فيه:
فقد روى البخاري: عن نافع أن ابن عمر ب أخبره: «أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره» (^٢).
فقد روى البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر ب قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة (^٣) فالتمسنا جعفر بن أبى طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية» (^٤).
أي أنه - ﵁ - لم يُولّ ظهره للعدو، وتولية الظهر كناية عن الفرار والجبن، وذلك دليل شجاعته وإقدامه وثباته وقوة إيمانه ويقينه وفروسيته - ﵁ -.
قال ابن حجر بعد أن ذكر روايتي البخاري: «وظاهرهما التخالف، ويجمع
_________________
(١) السيرة لابن إسحاق (١/ ٨٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٨١، رقم ٤٢٦٠).
(٣) غزوة مؤتة.
(٤) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصّحيحة في ذكر جعفر - ﵁ -، حديث رقم (٧).
[ ١٠٦ ]
بأن العدد قد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى» (^١).
وقال العيني: «وكان ذلك من الطعنات والضربات وهذا من الطعنات والرميات والفرق بينهما أن الطعنة بالرمح والضربة بالسيف والرمية بالسهم مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد» (^٢).
فلنا أن نتخيل هذا العدد الضخم من السهام والضربات والطعنات في جسده - ﵁ -، وهو ثابت لا يولي دبره لأحدٍ، ثابت لا يخاف إلا الله.
فهو يعلم أنَّ سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة.
فهذا هو الجمال المكنون في شخصيّة ذي الجناحين - ﵁ -، لقد كان في جيش تعداده الثلاثة آلاف ليواجهوا مائتي ألف من الروم، فعندما حمل الراية بعد زيد بن حارثة - ﵁ -، صبَّ الروم بأسهم على جعفر رضوان الله عليه، فقاتلهم على قدميه، إلى آخر قطرة من دمه، إنه يقاتل في شجاعة نادرة، وقد ألقى بالحياة وراء ظهره، يريد الشهادة في سبيل الله، فلمّا قطعوا يديه واستشهد أبدله الله بجناحين يطير بهما في الجنة.
ثم تأمَّل معي أيها القارئ الكريم كيف أنَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب ب يروي فضيلة لجعفر بن أبي طالب - ﵁ -، وهو من آل البيت، معظمًا له، وما هذا بغريب فيمن مدحهم الله بأنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣)، ولا على الذين ربَّاهم محمد ص، فكانوا أخوة يجاهدون سوياًّ، ويرون فضائل
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٥١٢).
(٢) عمدة القاري (٢٦/ ١٢٢).
(٣) سورة الفتح الآية «٢٩».
[ ١٠٧ ]
بعضهم، ويتصاهرون، إلى غير ذلك من سبل المودة والإخاء.
وكان من دلائل قوته وثباته - ﵁ - أن «ارتفق المسلمون بجعفر هناك في «الحبشة» واعتضدوا به» (^١) فهذا يدل على ثقة المسلمين به ﵁ وأرضاه.