لقد كانت التضحية والهجرة، هي السمة الغالبة على حياة جعفر - ﵁ -، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرهن إلا من صدق الله وأخلص له، مثله مثل إخوانه من السابقين الأولين من المهاجرين.
فقد هاجر - ﵁ - الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله - ﵌ -، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس - ﵂ - في الهجرة الأولى والهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة، وعاش فيها ردحًا من الزمن (^١).
وعلى يديه أسلم النجاشي ومن تبعه في الحبشة، (وذلك كله يدلنا على أن جعفرًا - ﵁ - كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، حيث ترك داره وأرضه وبلاده، وهاجر إلى الحبشة بعد أن أذن بذلك وأمر به رسول الله - ﵌ -، فذهب جعفر - ﵁ - في الفوج الأول الذي لم يكن يتعدى عددهم اثني عشر أو ثمانية عشر ما بين رجل وامرأة، ثم كان كذلك في الفوج الثاني الذي زاد على ثمانين رجلًا وامرأة، وكانت له
_________________
(١) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٧٢).
[ ١٠٩ ]
المواقف العظيمة هناك) (^١)، ثم لحق بالنبي - ﵌ -، فسجلت له هجرة ثالثة، فكان ممن كانت حياته كلها هجرةً وتضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله ﷿.
وقد مرَّ معنا رواية أبي موسى الأشعري - ﵁ - في قصة المهاجرين من الحبشة، وكيف قدموا على رسول الله - ﵌ -، فأخبر أبو موسى - ﵁ - أنه خرج ومعه نفرٌ من قومه من بلاده من اليمن، قال: نريد رسول الله - ﵌ - بالمدينة، فقذفت بنا السفينة إلى أرض الحبشة، فوافينا جعفرًا وأصحابه، ثم خرجنا معهم جميعًا إلى رسول الله - ﵌ -، فوافينا المدينة في أعقاب خيبر.
وهنا وقعت قصةٌ كذلك تدلنا على مسألة الهجرة وأهميتها وفائدتها، ترويها لنا أسماء بنت عميس، وفيها: قوله - ﵌ -: (ولكم أنتم - يا أهل السفينة- هجرتان) فأثنى عليهم النبي - ﵌ - لفضل الهجرة وترك الديار والأهل والعيش في الغربة حفاظًا على الدين وحرصًا على إقامته، وهذا يدلنا على فضل الهجرة عمومًا، والهجرة إلى رسول الله - ﵌ - خصوصًا، وقد نال جعفر بن أبي طالب قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في سيرة النبي - ﵌ -.