الحمد لله القائل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقوله هذا موافق لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وَعَدَ عباده المؤمنين التمكين في الأرض فقال - ﷿ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، وتحقق وعد الله - ﷿ - والله لا يخلف الميعاد، فتح الله لعباده المؤمنين مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم الدول، وبإخلاصهم لله - ﷿ -، وعملهم بما جاء به رسول الله - ﷺ - من الدين والحق هزموا أعظم دولتين في ذلك الوقت؛ فارس والروم، وهذا الوعد لا يتخلف عن مؤمن صدق مع الله - ﷻ - إلى قيام الساعة، ولن يمكِّن الله - ﷿ - غير عباده المؤمنين إلا بتخلف منهم عن العمل بطاعته.
وصلى الله وسلم وبارك على سيد الاولين والآخرين نبينا محمد القائل في حجة الوداع: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٤)، فما أعظمها من وصية يتحقق بها ما وعد الله - ﷿ - عباده المؤمنين.
_________________
(١) الآية (١٤٠) من سورة آل عمران.
(٢) الآية (٢٦) من سورة آل عمران.
(٣) الآية (٥٥) من سورة آل النور.
(٤) البخاري حديث (٥٩٠٠) ومسلم حديث (٢٣٤٧).
[ ٤ ]
ورضي الله عن آل بيت سيدنا محمد وأصحابه الأبرار، ولعن الله أعداءهم الزنادقة الفجار.
أما بعد: فقد تاقت النفس إلى مطالعة سير الرعيل الأول من الخلفاء والملوك في الإسلام، والتعرف باختصار على بعض من سيرهم، وما ذكر من محامد أو مثالب لتكون عظة وعبرة لمن طالع ما دونت، ومن المعلوم أن فجر الإسلام طلع بمبعث نبينا محمد - ﷺ - بعد بلوغه السن الذي بُعث فيه - ﷺ -؛ وهو أربعون سنة؛ سِنُّ اكتمال الأشد وقوة العقل، وهذه سُنة في الأنبياء قال تعالى في يوسف - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وقال تعالى في موسى - ﵇ -: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وكذلك نبينا محمد - ﷺ - روى ذلك الأئمة الأثبات عن أنس - ﵁ - قال: «بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» (٣)، هذا على قول أن عمره - ﷺ - ستون سنة، فأسفر صبح الإسلام في مكة بنزول الوحي على رسول الله نبينا محمد - ﷺ - ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٤)،
وأشرق فجر الإسلام بهجرته - ﷺ - إلى مهاجره الذي اختاره الله له؛ وهو المعروف في الجاهلية "بيثرب" وسماه رسول الله - ﷺ - طيبة؛ وهي المدينة المنورة اليوم ولها أسماء كثيرة، تنمي عن حب المؤمنين لها ومكانتها العظيمة عندهم، جعلنا الله من محبيها، وممن يحسن الجوار فيها، وكانت الهجرة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة، فيكون عمر نبينا - ﷺ - عند هجرته ثلاثا
_________________
(١) الآية (٢٢) من سورة يوسف.
(٢) الآية (١٠) من سورة القصص.
(٣) البخاري حديث (٣٥٤٨) ومسلم حديث (٢٣٤٧).
(٤) الآية (١٠) من سورة القصص ..
[ ٥ ]
وخمسين سنة، واكتمل الشروق في أجمل صورة، في حياة يسودها العدل الكامل، والرحمة والطهر والعفاف وتكوّن أنظف مجتمع عرفته الدنيا، كان سيده رسول الله - ﷺ -، ولم يكد ضحى الإسلام ينير طيبة لينبثق منها إلى أقطار الأرض حتى فجع المجتمع الإسلامي في طيبة بأعظم مصيبة أصيب بها كل مؤمن إلى يوم القيامة، وفاة رسول الله - ﷺ - ولا أعظم منها قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته فإنها من أعظم المصائب» (١)، وكان هذا الحدث الجلل في ربيع الثاني بعد عودته من حجة الوداع في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وعمره - ﷺ - ثلاث وستون سنة، قال أنس - ﵁ -: " لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - ﷺ - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء" (٢).
نسأل الله أن يجمعنا به وبإخوته الأنبياء والصحب الكرام في الفردوس الأعلى من الجنة بفضله وكرمه.
هنا نقف عن التفصيل في العهد النبوي وهو موقف عظيم، فمن يجرؤ على تقييم نهج نبي يخاطبه الوحي صباح مساء، اللهم لا أحد إلا سفيها فارق سنة العقلاء، وقد أوضحت هذا في كتابي "الهادي والمتهدي".