لا مريّة في أنه لما كان علم الحديث هو معرفة صفات المتن والإسناد حيث القبول والرد، وكان استعمال كل ما يتعلق وإسناده لا يمكن الّا بمعرفة أحوال الرواة، وكان نقل الدّين بالإسناد مما خص الله به هذه الأمة المشرفة، وكان علم الدين لا يوجد عند واحد فقط من الأجلة، ولا يفوت كله جميع الأمة، وكان كلّ مسلم مأمورا بإبلاغ من بعده كما أبلغه من قبله، وجب على أهل كل عصر ذكر رواتهم وعلمائهم حفظا لدينهم، إذ ربما ذكر أحدهم شيئا اخترعه، أو كان واسطة فيما سمعه، فلا تعرف رتبة مقولة أو منقوله إلّا بمعرفة حاله، فحثنى على (^٥) ذلك، وحداني على تطلّب من يقوم بهذا الغرض أقرانى، كما قام به من (^٦) قبلنا بعض مشايخنا ومشايخهم وهلم جرا، فلم أجد منهم [من] شرح لهذا الأمر صدرا، ولا أطلع في سماء معرفته شمسا ولا بدرا، واستمر الحال على ذلك إلى أن رحلت إلى سيدنا ومولانا قاضى القضاة شيخ الإسلام حافظ العصر وعلامة الدهر (^٧) الإمام أبى الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر (^٨) العسقلاني الكناني، أيّد الله الإسلام بحياته، وأعزّ الأحكام بماضى (^٩) عزماته، في سنة أربع (^١٠) وثلاثين وثماني مائة، فرأيت مجاله بعولا لأبكار الأفكار، وذكورا لأفهام أولى الأبصار، فلم أزل أهتدى بشهابه، وأقتدى بمحاسن آدابه، إلى أن قام العزم على ساق، وأخذ من متوانى
_________________
(١) في السليمانية «علم».
(٢) في السليمانية وتونس «عن من».
(٣) مضافة من هامش تونس.
(٤) راجع ابن حجر العسقلاني إنباء الغمر بأنباء العمر» ح ١، ص ٤٥٥ تحقيق وتعليق حسن حبشي ونشر لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، سنة ١٩٧٢، وانظر المراجع هناك عنه.
(٥) في السليمانية «بما معنى».
(٦) في السليمانية، وتونس «وثمانين» والصواب ما أثبتناه بالمتن.
[ ١ / ٣٣ ]
الحزم على ذلك أمتن عهد وميثاق، ونبّهه من غفلته، وأيقظه من رقدته، فجبت في طلب العلم الأقطار، وأخذت عمّن قدرت عليه من أهل الأمصار، ورأيت من الواجب أن أضع لهم ديوانا يعرّف بأحوالهم ليوصل به إلى المقصود، فإن قيل: «وأنّى يجب ذلك وقد حقق (^١١) شيخكم شيخ الإسلام أنه لا يحتاج في معرفة قبول الحديث ورده إلى إسناد خاص بيننا وبين أئمة الحديث الأعلام في كتبهم المشهورة، كسنن أبى داود [و] جامع الترمذي [و] صحيح ابن خزيمة [و] سنن الدار قطني ونحوها لقطعنا بأنها مصنفاتهم: هذا على مذهب شيخكم، وأما على مذهب ابن الصلاح فالأمر أبعد لأنه سد باب التصحيح في هذا الزمان.
قلت: بل نحتاج إلى ذلك على الرأيين معا، أمّا على رأى شيخنا فبالنسبة إلى الأجزاء المنشورة والكتب التي ليست مشهورة (^١٢)، وأما على الرأيين معا فبالنسبة إلى معرفة الانقطاع والإعضال وغير ذلك من صفات الإسناد الموجبة لضعف ما بيننا وبين المصنفين منه أو صحته أو حسنه، فإن ابن الصلاح لم يمنع تصحيح الأحاديث النبوية، فإنّه قال: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنّا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته»، إلى أن قال: «وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، زادها الله شرفا، آمين». انتهى.
وأيضا فهو إنما منع من الجزم بالحكم بالصحة ومفهوم تقييده بالجزم أنه لا يمنع إطلاق الصحة أو الحسن في غلبة الظن ونحو ذلك، ولا الجزم بالحكم بالضعف، وفي كل من ذلك فوائد لا تخفى، فيصير ذلك الكتاب حكما لمن يعد مصنّفه في الجزم لشخص من الناس يسافر إلى بلد ادعى بعض أهلها أنه
_________________
(١) في تونس «حق».
(٢) عبارة «والكتب التي ليست مشهورة» مكرّره في السليمانية سهوا من الناسخ.
[ ١ / ٣٤ ]
لقى ذلك الشخص أو ينفى دخولها عنه، أو بإثبات صفة أو نسب أو نحو ذلك، كما كانت الكتب التي قبلنا عمدة لنا في مثل ذلك، وأيضا فربما تواتر فيه نقل شيء فيفيد القطع، والله أعلم.
ولما كان هذا الديوان لأهل زماننا كالعنوان، يستدل بمن ذكر منهم على من ترك (^١٣)، سميته: