إذ لا شك في أنّ معرفة الزمان تكون بمعرفة نوابغ أبنائه وغرائب أنبائه (^١٤)، ولما رأيت حسن فعل المتقدمين في تصديرهم (^١٥) كلّ كتاب بتراجم تدل عليه لأنّ ذلك مما يعرّف بمقداره، ويكشف عن غامض أسراره، أحببت النسج على منوالهم، والاقتداء بذلك من أفعالهم، وتلك التراجم هي التي يعبّرون عنها بالرءوس الثمانية وهي: الغرض، والمنفعة، والسمة، ومن أي علم هو، ومرتبته، وقسمته، ونحو التعليم فيه، والمؤلف.
فأما الغرض فهو الغاية السابقة في الوهم، المتأخرة في الفعل.
وأما (^١٦) المنفعة: فهي ما يحصل به من الفائدة للنفس ليشوقه الطبع.
على أن الغرض والغاية والمنفعة واحد بحسب الذات، وإنما يختلف بالاعتبار، فمن حيث تطلّبه بالفعل يسمى عرضا، ومن حيث يهادى إليه لشيء ويترتب عليه يسمى غاية، ومن حيث حصول الفائدة به وتشوّق الكل إليه بالطبع يسمى منفعة، فيصدر العلم بذكر غاية ليعلم طالبه أنه هل يوافق غرضه أم لا، وبذكر منفعته ليزداد جدا ونشاطا.
_________________
(١) هنا ينتهى تحديد البقاعى لما سبق من كتابة غيره، ثم يشرع في الكلام على كتابه «عنوان الزمان»
(٢) في تونس «أبنائه».
(٣) في السليمانية «تقديرهم».
(٤) في تونس «فأما».
[ ١ / ٣٥ ]
وأما السمة في العنوان الدال بالإجماع على فضل ثمة، وسواء أكان ذلك بجّد أو برسم تام أو ناقص أو غير ذلك.
وأما من أىّ علم فهو نوع العلم الموضوع هناك.
وأمّا مرتبته فبيان متى يجب أن يقرأه.
وأمّا القسمة فيه فبيان ترتيب ذلك الكتاب وفنونه، وجملة مقالته وأبوابه، وفصوله.
وأمّا نحو التعليم فهو بيان الطريق المسلوك فيه لتحصيل الغاية.
وأمّا المصنّف فهو واضع الكتاب ليعلم قدره ويوثق به، على أن السّنة المطهرة جاءتنا (^١٧) بذلك في إرسال النبي ﷺ الكتب حيث قدم نفسه فقال:
«من محمد». ولما كان الغرض الانقياد لما يأمر به من تلك الأمور العظام وعدم مجاوزة الحد به كما فعل بعيسى ﵇ [في] وصف نفسه بما يحتاج إليه في ذلك فقال:
«عبد الله ورسوله». ثم بيّن الغرض من ذلك بقوله:
«أدعوك بدعاية الإسلام»، ثم أشار إلى المنفعة ترغيبا وترهيبا:
«اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين»، ثم أشار إلى حد الإسلام بأنّه التبرؤ من عبادة غير الله، إلى آخر ما ذكره في قوله تعالى «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ١٨ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ» إلى قوله «اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» فأشار إلى أنّ ذلك هو الإسلام، وإذا عرف القصد فلا يعاب [علىّ] (^١٩) ذكرى ما أثنى به علىّ مشايخي أو غيرهم.
هذا ما يتعلق بالرءوس الثمانية على العموم.
***
_________________
(١) في تونس «فاجاتنا».
(٢) سورة آل عمران، آية ٦٤.
(٣) هذه الكلمة من السليمانية.
[ ١ / ٣٦ ]
وأمّا على الخصوص فالغرض من تاريخ المحدث ضبط صحيح النقل من سقيمه، ولا شك أن ذلك هو المطلوب بالفعل، وهو منفعة من حيث إنه أمر يتشوقه كل أحد طبعا، وغاية من حيث يتأدى به إلى هذا التمييز.
وأما سمته فإنه علم يعرف به حال المروى صحة وسقما، وسمة الكتاب تقدمته.
وأما من أي علم هو فواضح.
وأما رتبته فإنها دون أصول الفقه لأنه آلة إلى تمييز المتن الصحيح الذي يكون منه الاستنباط من غيره.
وأما قسمته فتقدمت.
وأما نحو التعليم فهو أن تذكر أحوال راويه ومرتبته من ميلاده إلى وفاته.
وأمّا مصنفه فهو أن يوصف بما يقتضى الوثاق به والاعتماد عليه.
[ ١ / ٣٧ ]