مقدّمة
واضع هذا المعجم المتضمن سير بعض رجال ونساء المجتمع الإسلامي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط المعروف بالبقاعى، نسبة إلى قرية في إقليم البقاع من أعمال الشام، وقد ولد في قرية خربة روحا بدمشق سنة ٨٠٩ هـ (١٤٠٦ م). وتلقى تعليمه في مطلع أيام حياته وتعلم على أيدي شيوخها وهو تعليم أهّله لأن يجد له مكانا في صفوف تلاميذ علماء هذا الوقت ممن كانوا هناك، وحصّل الكثير من شتى فنون المعرفة التي كانت سائدة في عصره وقتذاك، وقد أهّله ذلك كله لأن يؤلف كثيرا من الكتب والرسائل والمقامات وغير ذلك من ضروب التأليف وفنون هذا الوقت والتي سنعرض بالإشارة إلى بعضها إشارة خاطفة بعد قليل لينصرف القارئ إلى مطالعة ما ينشده من الوقوف على من يريد من التراجم التي يبغيها.
بعد أن تلقى البقاعى ما شاء الله له أن يتلقاه من علوم عصره رحل إلى القاهرة التي كانت رجاءه ليجلس إلى بعض شيوخ ممّن كانوا بها وليقضى بقية عمره حتى وافته منيته سنة (٨٨٥ هـ -١٤٨٠ م) فيكون بذلك قد عاصر الكثيرين من سلاطين المماليك الذين حكموا الديار المصرية والشامية.
وكان على صلات طيبة مع بعضهم مكّنته من أن يقف على مجريات الأحوال السياسية إلى حد كبير، وأن ينعكس هذا كله فيما ألف لا سيما في ميدان التاريخ.
إن الكتاب الحالي الذي بين يدي القارئ يعتبر معجم تراجم، وقد سماه مؤلفه «عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران» وقد جمع فيه المئات من رجال عصره، وألحقه بكتاب آخر على نمطه سماه بعنوان العنوان بتراجم الشيوخ والتلاميذ والأقران، فيكون بذلك مكملا للحالى، ومن ثم كان يشبهه
[ ١ / ٩ ]
كثيرا من حيث إلمامه فيه إلى حد كبير بتراجم من عاشوا في هذه الفترة، ولكنه زاد فيه من ذكره من تلاميذه وبذلك يعتبر كلّ من الكتابين أو المعجمين مكملا للآخر، وقد أعددناه هو الآخر وإن أضفنا إلى التسمية تسمية أخرى هي «المعجم الصغير للبقاعى».
وليست هاتان المخطوطتان بخط البقاعى، ولكن بأقلام نساخ محترفين ولا نعرف شيئا عنهم، ثم آل ما نسخوه إلى المكتبات الخاصة فالعامة، وقد اعتمدنا على ما صور من هذه النسخ في تقديم الكتابين، وإذ كان المعجم الحالي يتضمن المئات من التراجم فإنّ ما في «عنوان العنوان» يضع بين يدينا معجما أكثر اتساعا، ولذلك فإن من يفوته علم من أعلام هذا العصر في الكبير قد يجده في الصغير.
والملاحظة العامة هي أن البقاعى أطال في بعض التراجم إطالة ملحوظة حتى أن بعضها جاوز أو قارب المائة صفحة مما سيراه القارئ، على أن المعجم الصغير كما قلنا متمم للكبير.
ولقد كان البقاعى في تقديمه هذين المعجمين مقلّدا أحد شيوخ مؤرخي هذا القرن وهو أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى في كتابه المعروف باسم «المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي» فقد اختصره في كتاب آخر جعل عنوانه «الدليل الشافي على المنهل الصافي» الذي قام بتحقيقه في جزءين العلامة المحقق الأستاذ فهيم محمد شلتوت، وقام من قبله المستشرق الأستاذ جاستون فييت فجرد تراجمه ولكنه أضاف إليها عملا يستحق الثناء عليه من أجله إذ زوّد كل ترجمة بالمصادر والمراجع التي يمكن الرجوع إليها سواء أكانت عربية أم غير عربية وسماه Les Biographies du Manhal Safi .
ونعود إلى كتاب «عنوان الزمان» فتقول إن التراجم الواردة فيه تتعلق كلها برجال ونساء عاشوا في القرن التاسع الهجري، ومن ثم كان لا بد من مقارنة هذه التراجم بما ورد عنها أو عن بعضها في القاموس العظيم لرجال هذا القرن
[ ١ / ١٠ ]
الذي وضعه السخاوي وسماه «الضوء اللامع بأعيان القرن القرن التاسع». والذي قام بنشره عام ١٣٥٣ هـ الشيخ حسام الدين القدسي ثم أعادت بعض دور النشر طبعه مصوّرا في مصر وخارج مصر دون أن تشير أي دار من هذه الدّور إلى صاحب الفضل الأول في إظهاره للعيان، وقد صدرت هذه الطبعات الجديدة منه دون مراجعة أو إضافة أو تعديل أو تصحيح أو غير ذلك مما تقتضيه إعادة مخطوط سبق نشره، كما أهملت الطبعات الجديدة الإشارة إلى جهد المحقق الأول.
*** لقد رجعت في إخراج هذا المعجم الذي هو الآن بين يدي القارى إلى نسختين إحداهما منقولة وموجودة في المكتبة التيمورية برقم ١١١٩ وسميتها في الحواشى بالسليمانية حيث كانت في الأصل بها. وأما النسخة الثانية التي سمّيتها بنسخة تونس فهي في الواقع مصورة عن نسخة بمكتبة عارف بالمدينة المنورة وقد تفضل الصديق الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العثيمين بتصويرها لي فله الشكر وإن لم تكن كاملة التصوير.
*** وخط النسختين نسخ جميل واضح القراءة، غير أن نسخة التيمورية كثيرة الأخطاء ولم أحاول تعقب هذه الأخطاء وإنما اكتفيت بتصحيحها، وربما أشرت إلى الخطأ إن كان كبيرا، ورجعت في التصحيح إلى مصادر ومراجع هذا العصر كالمقريزي في خططه وسلوكه، وأبى المحاسن في مؤلفاته المختلفة وابن حجر في إنبائه، والعيني في تاريخه، والسيوطي في نظم العقيان، والصيرفي في نزهة النفوس وغير ذلك مما صادفته ووجدت فيه ما يقوّم الكلمة أو الاسم أو التاريخ.
لقد سبق البقاعىّ صاحبه السخاوىّ في كتابه «عنوان الزمان»، فالمطالع
[ ١ / ١١ ]
للضوء يرى السخاوي يشير صراحة إلى ما يدل على أنه طالع «عنوان الزمان» وأخذ منه، ولم يكن ذلك عن رغبة في الاعتراف بفضل السبق ولكن ليتابع عثرات البقاعى، ونستدل على ذلك من مثل هذه العبارة التي كثيرا ما تصادفنا في السخاوي إذ يقول «ذكره البقاعى مجردا».
وأن النزعة-التي طبع عليها السخاوي في مهاجمة معظم مؤلفي عصره- لا سيما من كانوا في مثل عمره ومن تتلمذوا على يد شيخ الكثيرين وهو ابن حجر-دفعته إلى التهجم على هؤلاء التلاميذ، وقد يفحش في الهجوم عليهم مما حدا بالسيوطى أن يقول عن السخاوي أنه جعل من لحومهم طعاما.
إن التراجم التي جمعها البقاعى في معجمه هذا كانت لرجال ونساء في مصر والشام والحجاز والعراق والهند وبلاد الروم وأفريقية والسودان وغيرها ممن أتيح له معرفة بعضهم على صورة أو أخرى، وبذلك كان كتابه الحالي معجما لهؤلاء جميعا، فكان يترجم لهم من حيث المولد والنشأة والدراسة وآثارهم الفكرية وأوجه نشاطهم وما كانوا عليه من سيرة تختلف من واحد إلى آخر، ويعدّد ما طبعوا عليه وما يقوله الناس عنهم، وقد ينقل-وهذا كثير-بعض عناوين ما ألّفوا.
كذلك عرف البقاعى كثيرا من سلاطين العصر والحكام في مصر والشام على وجه الخصوص، وكان له حضور في مجالس بعضهم، ونستدل من ابن حجر في معرض كلامه عن الحملة المصرية على قشتيل الروج أن السلطان جقمق جعل البقاعى إماما لهذه الحملة، بل ويزيد العسقلاني فيقول إن البقاعى كتب تقريرا عن هذه الحملة إلى السلطان ورآه ابن حجر، وقال إنه مورده في كتابه «إنباء الغمر» لكن لم نعثر عليه فيما راجعناه من النسخ الخطية السبعة التي رجعنا إليها في تحقيق الإنباء ونشره، وما كان لابن حجر أن يذكر مثل هذا الخبر الهام إلا أن يكون قد اطلع على هذا التقرير، ولكن أين هذا النص؟.
ذلك ما لا ندريه، وفي هذا خسارة لشاهد عيان لحادث من أضخم أحداث
[ ١ / ١٢ ]
التاريخ المصري.
لقد قدم البقاعى إلى مصر وتحققت أمنيته أن يكون بها، وأن يتصل بشيخ المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث الذي يسّر له سبل الحياة المرضية:
معيشية كانت أو علمية، وأفسح له في مجالسه التي كان يعقدها للإملاء والحديث والشرح إلى غير ذلك من الفنون التي برع فيها ابن حجر وشهد له الجميع بالسبق فيها.
واستقر البقاعى في مصر وتزوج فيها أكثر من مرة، وكان له أولاد وإن ماتوا صغارا، وكان قربه من مصادر الأحداث ميسرا له الحصول على قدر كبير من المعرفة بالتاريخ والأخبار، بل إنّ في مجالسته للملوك والسلاطين ما يشير إلى أنه حصل في بعض الأحيان على أخبار لم يتسنّ لغيره الحصول عليها، من ذلك ممّا ينقله من صورة الرسالة التي أرسلها السلطان محمد الثاني من خبر فتحه العظيم للقسطنطينية، وهو الكتاب الذي أرسله إلى السلطان المصري اينال ورد السلطان المملوكى عليه، وحسبنا هذه الإشارة الموجزة لننتقل إلى ناحية أخرى وهي ذكر بعض مؤلفاته وليست كلها.
إبراهيم البقاعى محدث ومفسر وفقيه وكاتب سير وتراجم ومؤرخ، وقد برز في الحديث والفقه والتفسير إلى حد كبير. وأما في التاريخ فشأنه شأن معظم كتاب عصره من رجال الطبقة الثانية في أنهم كانوا جماعا أكثر منهم محللين، فلقد حاول البقاعى الكتابة في شتى المواضيع السائدة في عصره والتي برز فيها رجال عدّوا من الطبقة الأولى في عصرهم ولا زالوا يحتلون هذه المكانة في كثير من المواضيع، وتفيض فهارس دور الكتب في بعض البلاد بما خلّف البقاعى، ومعظمه لم ير النور بعد، ولقد أشار كشف الظنون إلى أن له ديوانا سماه «الداعي بأشعار البقاعى» وجاء في وصفه بأن شعره «متوسط»، وشارك السيوطي حاجى خليفة في مثل هذا الحكم على شعر البقاعى إذ قال في نظم العقيان «إن شعر البقاعى كثير، والجيد منه وسط».
[ ١ / ١٣ ]
ومن مؤلفاته «الاطلاع على حجة الوداع».
كما أنه لم يقتصر على فن واحد من فنون التأليف وإنما نراه يسهم في التأليف في مواضيع شتى، فتناول بعض العلوم الرياضية مثل أرجوزته المسماة «الساحة في علمي الحساب والمساحة».
كذلك يلاحظ أنه كان للبقاعى هجوم عنيف على ابن الفارض الصوفي حتى لقد كاد أن يرميه بالكفر، وواضح أنه وجد معارضين له لم يذهبوا مذهبه في ابن الفارض، ولا شك أن هؤلاء المعارضين قالوا باللسان وبالقلم ما حمل البقاعى على أن يضع رسالة في الرد عليهم سماها «تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض»، وهذا الهجوم الشديد على ابن الفارض من جانب البقاعى يظهر جليا في المقدمة التي كتبها الشيخ عبد الرحمن الوكيل في مقدمته لكتاب «مصرع التصوف» للبقاعى.
ومن هنا نستدل على أن البقاعى كان من الكارهين لرجال الصوفية ..
*** واهتم البقاعى بعلم القراءات فألف فيه ما نعرفه باسم «الضوابط والإشارات لإقراء علم القراءات»، وقد وصفه بعضهم بأنه «كتاب لطيف مختصر في القراءات»
كذلك أسهم البقاعى في علوم القرآن فترك لنا «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» وقد انتهى منه سنة ٨٧٥ هـ أي قبل عشر سنوات من وفاته.
إنّ لكل كتاب من كتبه قصة عارضه البعض فيه وأيده غيرهم، وكلهم مغالون فيها ذهبوا إليه، وإنما يكون الحكم الصحيح أو ما هو قريب إلى الصحة يوم يتمّ إخراج ما دبجته براعته من الكتب والرسائل ويوم ترى النور، وهو أمر ما أحسب إلا أنه سيطول، ومعنى هذا أن البقاعى سيظل في زوايا الإهمال حتى يأذن الله بنشر ما ألّف.
[ ١ / ١٤ ]
وأعود إلى مطالعى هذا المعجم الحالي فأقول إنّ هذه المقدمة ليست دراسة عن البقاعى فلذلك كتاب وضعته عن بعض تلاميذ ابن حجر، وكان هو واحدا منهم وقد ورد فيه عنه وعنهم بالتفصيل ما يوضح حياتهم وأعمالهم، وأرجو أن يخرج هذا الكتاب إلى النور ليلقى الضوء على جوانب بعض مؤرخي هذا العصر.
لكن يمكن للقارئ أن يسترشد في ذلك بما جاء في فهارس المخطوطات المختلفة مثل فهرس الفهارس للكتانى، وفهرست المخطوطات المصورة لفؤاد سيد، وكشف الظنون لحاجى خليفة، وفهرست كتبخانة عاشر أفندي، وكتبخانة نور عثمانية وفهرست مخطوطات الظاهرية ليوسف العش، وكوبرلى زاده محمد باشا، وفهرست الخديوية (ج ٥،١) وما كتب عنه في بروكلمان.
إن مجال القول ذو سعة عن البقاعى ومؤلفاته. ولكن حسبنا هذه الأسطر القلائل للتعريف به.
والله ولى التوفيق
حسن حبشي
٣٤ شارع عمر بن الخطاب
المهندسين-الجيزة
٢١ مارس ٢٠٠١
[ ١ / ١٥ ]