الشرباصى ثم الفارسكورى الحمامي (^١٧٠)، عرف بالأدب (^١٧١).
ولد سنة ثمانمائة تقريبا في «شرباص» (^١٧٢) من عمل دمياط، ونظم الشعر وارتزق من الحياكة وسافر إلى القاهرة والقدس.
اجتمعت به ليلة الجمعة سابع عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة فرأيته عاميا مطبوعا، وهو لا يحسن الكتابة، وكان أبوه أديبا مشهورا.
أنشدني من لفظه لنفسه، وسمع ابن فهد وابن الإمام:
من ذا الذي من مقلتيه يقيني … هذا الذي أخلصت فيه يقيني
ريم له فعل الرماة وإنما … يرمى بقوسى حاجب وجفون
ألف ابن مقلة في الكتابة قدّه … والصّدغ مثل النون في التحسين
_________________
(١) في نسختي السليمانية وتونس «القروي» والتصحيح من عندنا اجتهادا.
(٢) مدرسة جانبك الصوفي أو المدرسة الچانبكية بشارع المغربلين على شمال الذاهب من باب زويلة إلى الحلمية، أنشأها الأمير چانبك الدوادار في عام ثمان وعشرين وثماني مائة وتعرف اليوم بجامع جانبك. راجع الخطط التوفيقية الجديدة لعلى باشا مبارك ج ٦ ص ١١.
(٣) في الضوء ١/ ٣١٣ «شهاب الدين» هذا ولم تزد ترجمته هناك عن ثمانية أسطر.
(٤) في الضوء اللامع نفس الجزء ص ٣١٣ «الخامى».
(٥) في نسخ المخطوطة «الأديب» وبالرجوع إلى السخاوي ج ١/ ٣١٣ يرد «ابن الأديب» وسيرد فيما بعد، في حاشية رقم ١٧٥ من اخر عبارة «ابن الأديب».
(٦) شرباص بفتح الشين والراء والباء من المدن المصرية القديمة بفارسكور محافظة الدقهلية وقد ورد اسمها على اختلاف في الكتابة في كتب العصر الوسيط كقوانين الدواوين لابن مماتي، والانتصار بواسطة عقد الأمصار لابن دقماق والخطط التوفيقية. راجع رمزى: القاموس ق ٢ ج ١ ص ٢٤٣.
[ ١ / ٧٥ ]
والعين مثل العين لكن هذه … شكلت بحسن وقاحة ومجون
وعلى الجبين بشعره سين بدت … حار ابن مقلة عند تلك السين
في خدّه ورد، وتحت شفاهه … خمر جرت من لؤلؤ مكنون
يا للرجال ويا لها من فتنة … في وضع ذاك النقط فوق النون
الله أكبر من قساوة قلبه … مع ما يرى في عطفه من لين
أنا لا أريد تنزّهى في روضة … نظري إلى وجناته يكفيني
كم قال إن شئت الدجى فغدا يرى … أو قلت: نور الصبح فهو جبيني
وإذا أردت الروض فهو بوجنتى … كم فيه من ورد على نسرين
عارضته يوما. فقال: أما ترى … ما قد جرى منهم؟ لقد ظلموني
طمع الغزال بأن يعارض مقلتى … والبدر أيضا طامع يحكينى
فأجبته: إن يفعلا فعلا، فلا … يؤذيك فعلهما ولا يؤذيني
فافتر مبتسما، ووافى بالمنى … نوما، ولا ثقة بوعد ظنين
وكذلك زجل:
فرضت هجر، والبعاد سنّت … من يعنى الشرف لا بتسام غربها
ولأسياف لحظها سنت … حتى ليمضى في مهجتي غربها
خطرت تنثنى في ند عودي … عجبا لأهل الهوى قتلا
قلت يا ظبية الحي عودي … وهبينى من ذا الثغر قبلا
وكذا الأمر فعل من قبلا … كم لخيل التجنى قد عنت
وأوقفها بين شرقها وغربها … ولقلبى قتالها عنت
بدم ادمعى جرى غربها … جلست يوم لسقى خمر مالي
كم لأسياف هذا المعل تبرى … أدهشت وبلبلت بالى
وأصبحت سقمى بالوصال تبرى
قلت انتى طبيب لي كنت … تفسها للطبيب من عجبها
ثار لي أشواق للآن ما كنت
[ ١ / ٧٦ ]
قلت للقلب ان سرت عج بها … لها وجنة فوق خد أحمر خال
كلما رق ماء الحياة مرة راق … وعلى الوجنه من سواد عنبر خال
بالملاحة والحسن قدر وراق … ولها منسل إلى الكعب خال
ما طلب وعندي في الهوى من راق … كم ليله طويله قد جنت
للخلاخيل اروى حديث حبها … اى مليحه منا العقول جنت
بالله عين قلب كل من حبها … أيش لها أرياح تفوح إذا قلت
لا تقل لي عبير ولا غاليه … كم عقود صبر منى قد حلت
وأرخصت في الهوى نفوس غاليه … ولا ترياق كم من عيش حلت
وأنا أتعجب من منيتي غاليه … تلبس الشرب كلما منت
ليلى منا بالوصل شربها … وهي قوت القلوب لو منت
قلى لي من اجل منها في شربها ثياب شرب … صبها صب دمعي ما ماسى
وأصبح فيها يهيم الفؤاد … ولا أرى أحد لودها ناسى
بعض الإحسان بالصبر أو الفؤاد … هدى لولا في عجبها ثنت
ولا كانت قد غيرت صبها … ولا حنت ظهر ولا ثنت
قط ما كان مدامعو صبها … ذا الذي غصن قدها ما ماس
حتى رخص لكل من لو سام … معها لولو ثغر ماسو ماس
وعلى القلب حزن يحكى سام … صبت بالحنا كفها حنت
اشتهى قلبي في الهوى قلبها … قلت حتى قست ولا حنت
ما أحلى لو كان الحب في قلبها … وانا أحمد حالي من البين حال
دوبا والهوى لهيبى وقد … وصحيح صبري في الهوى قد حال
وغرامى قطع فؤادي وقدّ … وعلىّ الهجران فرضى ما حال
سنة البعد وأيش لي حيله وقد … فرضت يجرى والبعاد سنت
من معنى الشرق لا يتسام غربها … ولأسياف لحظها سنت
حتى يمضى في مهجتي غربها
[ ١ / ٧٧ ]
أنشدت هذا الشعر جماعة من أهل بلده، منهم يوسف البلان فقال:
«أشهد بالله ما هذا نظمه» وكأنه حسده، فأرسلت إليه وامتحنته فقال لي: قل لي عن معنى أنظمه فقلت:
«انظم [قصيدة] في آخرها بيت قل فيه: ما لمخضوب البنان يمين» فاعتذر لي بأن ذلك لا يقال إلا للإناث ويسمج مجيئه في الذكور، والقصيدة مذكرة، فأعجبني ذلك منه فقلت: انظم بعد قولك «ولا يؤذيني» بيتا معناه أن العلة في عدم الأذى أنهم لا يصلون إلى مرتبته لأن البدر عليه كلف والأيل الغزال فيه قرون» وقصدت بذلك صعوبة القافية عليه لأنه إن حصلت له أدنى غفلة كانت القافية راجعة إليه بالعيب.
ففهم ذلك وفكر (^١٧٣) زمانا وقال:
فالبدر ذو غش وفيه تكلّف … والرّيم حاشا أن ترى بقرون
فتحققت أنه نظمه، وأنهما نفس واحد، وعلمت أنهم حسدوه.
وقال إنه كان يعرض نظمه على شخص يعرف النحو فيوقفه (^١٧٤) على ما فيه اللحن.
قلت: وابن الأديب (^١٧٥) هذا عنده حذق زائد وذكاء ذهن سيّال، وهو كثير التحرز والحذر ولا سيما في اللحن لما يعرف من نفسه من جهل العربية، وله معرفة تامة بالزجل (^١٧٦)، يعرف ما يدخله من العيوب. وهو شخص مطبوع مع كونه عامىّ أمّى (^١٧٧) لا يحسن الكتابة.
_________________
(١) في تونس «وأفكر».
(٢) في تونس «فتوقف».
(٣) راجع حاشية ١٧١.
(٤) في تونس «بالجذل».
(٥) في تونس «أمي».
[ ١ / ٧٨ ]