(^٢٥٢) الأصل، القاهري المولد والمنشأ، الداعي بالمقام الذي يقال إن به قبر الليث بن سعد.
ولد سنة خمس (^٢٥٣) وسبعين [وسبعمائة] تقريبا بالقاهرة. وقرأ بها القرآن وصلّى به، وحفظ العمدة وقال إنه عرضها على السراج ابن الملقن وأكثرها على قاضى القضاة ابن جماعة وإبراهيم بن موسى الأنباسى والصدر الإبشيطى.
واشتغل بالفقه بعض اشتغال، ثم انتقل إلى كوم الريش فسكن بها وخطب بجامعها عند قاضى القضاة تقى الدين الزبيري مدة، وخطب في جامع عمرو بمصر وغيره.
ثم انتقل إلى القاهرة وأدّب الأطفال، ثم أقبل على الاشتغال فأخذ الفقه عن البرهان البيجورى والشمس الشطنوفى (^٢٥٤) والعلامة البخاري وغيرهم، ولازم الشمس الغرّاقى (^٢٥٥) (بالمعجمة وتشديد الراء) في الفقه والفرائض، قال «وأجاز لي» وبحث في الحساب على الجمال الماردانى، وأخذ النحو عن علّامته الشمس الشطنوفى المقدم، وعلامة العصر العز محمد بن جماعة وغيرهما، والمعقولات عن العز بن جماعة، وقاضى القضاة الشمس البساطى والعلاء البخاري وغيرهم، و[أخذ] علم الحديث عن قاضى القضاة ولىّ الدين أحمد بن العراقي (بالمهملة والتخفيف).
_________________
(١) ويعرف أيضا بالكوم ريشى نسبة إلى ناحية من نواحي القاهرة تعرف بهذا الاسم أشار إليها المقريزي في خططه ٢/ ٥٢٤ حيث عرفها بأنها اسم «بلد تقع قرب منية السيرج كان النيل يمر بغربيها بعد مروره بغرب أرض البغل»، وكان كوم الريش كما أشار المقريزي أيضا من أجمل متزهات القاهرة وكان أعيان الناس يؤثرون السكن به حتى كان من بينهم جماعة من الأمراء. وقد شاهد المقريزي هذا الحي عمارا ثم رآه بعد سنة ٨٠٦ خرابا فأنشد: قفرا كأنك لم تكن تلهو بها … في نعمة وأوانس أتراب ويعرف اليوم باسم الزاوية الحمراء وهي تسمية اكتسبها من جراء وجود زاوية بناها قايتباى سنة ٨٩٠ ودهن حوائطها من الخارج باللون الأحمر. راجع القاموس الجغرافي ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤، ق ١ ج ١ ص ١١.
(٢) المعروف أنه ولد سنة ٧٧٨ تقريبا ولكن التاريخ أعلاه يطابقه ما ورد في ص ١٨ وذكر أن وفاته كانت يوم ٢١ محرم سنة ٨٥٢، وكان موته بعسر البول.
(٣) في تونس «الطنوفى» وفي السليمانية «الطنوخى» والصواب ما أثبتناه.
(٤) في الضوء اللامع ٢ ص ١٦ «العراقي» بالعين المهملة.
[ ١ / ١٠٠ ]
وتلى ببعض الروايات عن الشيخ فخر الدين إمام جامع الأزهر والشيخ يعقوب والشمس الشطنوفى وغيرهم.
وجمع السبع على الشمس الزراتيتى، وسمع الحديث على الشيخ زين الدين العراقي والعلاء ابن أبي المجد الدمشقي، قدم عليهم القاهرة باستدعاء يلبغا السالمى والبرهان الشامي وغيرهم، ولازم الاشتغال كثيرا لكنه كان سيّئ الفهم فاسد التصور.
وهذا الشيخ واظب خلقا من أكابر العلماء خلفا بعد سلف لا يمل من ذلك، فصار يستحضر شيئا كثيرا يذاكر به غير متقيد في أبحاثه بمقام من المقامات ولا أسلوب من الأساليب، بل يتنقل فيما يحفظ بحسب ما يؤديه إليه فكره بحيث سماه بعض الأدباء «تذكرة».
وحج سنة تسع عشرة وثمانمائة، قال فلما زرت قبر النبي ﷺ رأيت على الحجرة الشريفة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مكتوبا هذين البيتين:
ما بعد طيبة يا حادي السرى أرب … أنخ مطيّك، هذا القصد والأرب
هذا الجناب الذي يحيا النزيل به … ويذهب البؤس والآلام والنّصب
وأنشدنا هذين البيتين يوم الجمعة ثامن عشر محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بمدينة بلبيس (^٢٥٦).
***
_________________
(١) «بلبيس» من المدن المصرية القديمة، ذكرها جوتييه في قاموسه وقال إن اسمها القبطي Becok، ثم ذكر لها في موضع آخر اسما مصريا وهو Barset وقال يحتمل أن يكون هذا اسم مدينة بلبيس، ثم قال إن الأستاذ أتيين قال إن اسمها الرومي Biblos والقبطي Belbes وأنها واقعة بين عين شمس وبين بسطة في حدود الصحراء الشرقية. ووردت في المصادر العربية باسم «بلبيس» في كتاب المسالك لابن خرداذبه ضمن القرى الواقعة على الطريق من الفسطاط بمصر إلى الرملة التي بفلسطين، قال: «وبينها وبين الفسطاط ٢٤ ميلا»، ووردت في المسالك لابن حوقل أنها من مدن مصر، وفي أحسن التقاسيم للمقدسى بأنها قصبة الحوف، وكذلك في صبح الأعشى. وذكر المقريزي في خططه أن بلبيس سميت في التوراة أرض جاشان قال وهي من بلبيس إلى العلا قمة. وكانت بلبيس قاعدة الحوف الشرقي أيام الدولة الفاطمية إلى آخر عهد الحكم الجركسى ثم قاعدة ولاية الشرقية إلى سنة ١٨٣٢. وفي تلك السنة أصدر محمد على باشا أمرا بنقل ديوان المديرية من المصالح الأميرية الأخرى إلى مدينة الزقازيق وبذلك أصبحت بلبيس قاعدة لقسم بلبيس الذي أنشئ فيها بدلا من ديوان المديرية بدءا من تلك السنة. وفي سنة ١٨٧١ سمى بمركز بلبيس. انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزى ج ١ ق ٢ ص ١٠٠ - ١٠١.
[ ١ / ١٠١ ]
وأنشدني ليلة الثلاثاء ثامن عشر رجب سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، قال:
أنشدنا شيخنا العلامة شمس الدين الأسيوطيّ:
جاوزت ستين سنه … كأنها كانت سنه
وعيشتى قد أصبحت … من بعد صفو أسنه
إن كان لي عمر فقد … قطعت منه أحسنه
يا ليت شعري، أكله … سيّئة أم حسنه
وهو كثير الشكاية، يلحف في السؤال مع كثرة المرتبات التي تكفى أمثاله وتفضل عنهم، وهو خصم ألدّ نازع أكابر في الدعاء بمقام الليث وفي غير ذلك فغلبهم، ما يقعد لقضية شرّ إلّا غلب، وينسب إلى قبائح، وله نظم ردئ كتصوّره، منه مذيلا على أبيات السهيلي «يا من يرى ما في الضمير ويسمع».
الأبيات:
يا رب بالخلّ الوفىّ محمد … وبمن به كلّ الأنام تشفّعوا
جرنى من النيران وامحو (^٢٥٧) زلّتى … يا ربّ يا رحمن إليك المرجع
وله:***
يا حبيب الحبائب … يا طويل الركايب
متى أراك جانبي … يا بدر في الغياهب
*** ومن ملحه أنه قال: اجتمع في كتاب الله تعالى أربع شدّات متواليات وذلك في قوله تعالى ﴿بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ (^٢٥٨): شدة اللام، و«يغشاه» إذ أدغم فيهما تنوين الراء والياء، وشدّة الجيم والياء الأولى، فاستخرج له شيخنا قاضى القضاة ابن حجر ثلاث شدات متواليات على ثلاثة أحرف متماثلة وهي
_________________
(١) أبقينا البيت على حاله كما ورد في الأصل.
(٢) سورة النور آية ٤٠.
[ ١ / ١٠٢ ]
قوله تعالى ﴿أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (^٢٥٩) وهي شدّة الميم الأولى في «ممن» المدغم فيها التنوين من «أمم» وشدّة الميم الثانية، وميم «ممن معك» المدغم فيها النون الساكنة التي قلبت ميما بالإدغام. ثم استخرج له متواليات أربع وذلك في قوله تعالى ﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٢٦٠) شدة الميم المدغم فيه التنوين والراء المدغم فيها: النون الساكنة والباء، والراء المدغم فيها التنوين.
ثم استخرج له أيضا كذلك في قوله تعالى ﴿نَسِيًّا رَبُّ السَّماواتِ﴾ شدّة الباء والراء المدغم فيها التنوين والباء والسين المدغم فيها لام التعريف.
*** وكتب له العز ابن جماعة ما ملخصه:
«بحث علىّ جميع كتاب «التمهيد في تخريج الفروع على الأصول» تصنيف شيخنا العلامة جمال الدين الإسنوى الشافعي بحث إفادة وإجابة، وتحقيق وتدقيق، وإنعام وإمعان، وإيضاح واستيضاح في مجالس آخرها يوم الثلاثاء عاشر صفر من سنة سبع عشرة وثماني مائة بدرسى بالصليبة بمسجد رشيد البهائي. وقد بحث علىّ جميع كتاب «الكوكب في تخريج الفروع الفقهية على أساليب القواعد النحوية، لشيخنا الإسنوى المذكور في مجالس آخرها صبح يوم الخميس ثامن عشر رجب سنة أربع عشرة وثمانمائة. وسمع بحث غالب شرح الألفية في النحو للبدر بن الناظم، وسمع بحث أكثر شرح منهاج البيضاوي للعلامة الفخر الجار بردى، وسمع بحث غالب شرح الطوالع لشيخ أشياخنا العلامة شمس الدين الأصبهاني، وسمع بحث الغالب من مختصرى في الفقه المسمى ببديع النظام في معرفة الأحكام، وقد أذنت له أن يقرئ كل كتابىّ الكواكب والتمهيد المذكورين لمن شاء.
_________________
(١) سورة هود آية ٤٨.
(٢) سورة يس آية ٥٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
وأن يقرئ شرح الألفية ويدرس فيها، وأن يروى عنى كتاب التمهيد عن شيخنا مصنفه، وأن يروى شرح الألفية لابن العم عنى عن عدة من أشياخي، منهم العلامة البرهان الشامي عن المصنف ابن العم، وكذلك أذنت له أن يروى عنى أما لىّ على الكتابين المذكورين: يعنى التمهيد [والكواكب،].
«وأن يشرح ما لابن العم من شرح ونكت وحاشية، واختصار وإشكال، وأن يروى عنى جميع الكتب المذكورة (^٢٦١) وجميع ما يجوز لي وعنى روابته من مصنفاتى وغيرها بشرطه المعتبر عند أهل الأمر. وكتبه محمد بن جماعة».
هذا ملخص كلامه، لخّصه إبراهيم البقاعى».
*** وكتب له أنه بحث عليه من أول شرح العمدة لابن دقيق العيد إلى باب «وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود»، قال: «وأذنت له في إقرائه لمن شاء، وأن يروى عنى شرحي الذي وضعته على هذا الشرح، وحاشيتي التي وضعتها على هذا الشرح، وشرحي على العمدة وحاشيتي عليها، وكتب يوم الجمعة ١٨ شعبان سنة ثماني عشرة وثمانمائة (^٢٦٢)».
*** وكتب له العلامة شمس الدين محمد بن إبراهيم الشطنوفى ما ملخصه:
«وبعد (^٢٦٣) فقد بحث علىّ الشيخ الإمام الفاضل الكامل، العالم القدوة العمدة أحمد أبو العباس شهاب الدين الشهير بالكوم ريشى أحد قراء السيد الإمام الليث بن سعد جميع كتاب ابن المصنف في النحو وشرح الألفية لوالده العلامة
_________________
(١) في السليمانية وتونس «المذكورين».
(٢) إذا أخذنا بجدول التوفيقات الإلهامية لسنة ٨١٨ كان الأربعاء هو الثامن عشر من شعبان من هذه السنة، وربما كان الأقرب إلى الصحة أن يقال «٢٨» إذا صح أن السبت هو أوله فيكون يوم الجمعة على ذلك هو ٢٨.
(٣) في هذا الكلام وما بعد تكرار.
[ ١ / ١٠٤ ]
جمال الدين بن مالك الطائي من أوله إلى آخره بحث إفادة وتحقيق، وإجادة وتدقيق، في مجالس آخرها في شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وسمع علىّ شيئا من شرح التسهيل في النحو، وسمع أيضا غالب شرح الحاوي الصغير في الفقه، وسمع بعض شرح المنهاج للنووي في الفقه أيضا، وبعض شرح التنبيه في الفقه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وشيئا من الفرائض والجبر والمقابلة والحساب، وبحث أيضا قبل ذلك القواعد الكبرى في النحو لابن هشام، وقد أذنت له أن يقرئ شرح الألفية المذكور لابن العم لمن شاء في أي مكان شاء وفي أي وقت شاء في أي كتاب شاء في النحو في الكتب المذكورة، وأن يروى عنى الكتب المذكورة وجميع ما يجوز لي روابته بشرطه المعتبر عند أهله. وكتبه محمد بن إبراهيم الشطنوفى، وأشهد جماعة عليه بذلك» نقله ملخصا إبراهيم البقاعى.
ورأيت في إجازته بالقراءات من شمس الدين بن عبد الله بن محمد بن محمد الشهير بابن الغزولى الزراتيتى الحنفي ما ملخصه:
«قرأ علىّ القرآن العظيم-جلّ منزّله-من فاتحته إلى خاتمته بمذاهب السبعة المشهورة برواياتهم الأربعة عشر على ما يذكر، فقرأ من أول القرآن إلى قوله تعالى (^٢٦٤) ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ بمذاهب الأئمة الثلاثة وهم عبد الله بن كثير من رواية البرى وأبو عمرو بن العلاء من روايتي الدوري والسوسي عن الترمذي عنه، وعاصم من روايتي أبى بكر وحفص، ثم استمر يقرأ من أول هذه الآية للإمامين الأولين فقط بروايتى كل منهما إلى آخر القرآن العظيم، ثم قرأ ختمه لعاصم من هذه الآية إلى آخر القرآن لابن عامر من روايتي هشام وابن ذكوان، ثم ختمه للكسائى من طريق الليث والدوري، ثم ختمة لحمزة من روايتي خلف وحلاذ عن سليم عنه، ثم ختمة لنافع من روايتي قالون وورش عنه قراءة صحيحة مبينة مفسرة رضيها منه وأحسن فيها وأجاد، فأذنت له أن يقرأ بجميع
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٤٢.
[ ١ / ١٠٥ ]
ما قرأ علىّ و[أن] يقرئ به، وأن يروى عنى جميع ما يجوز لي وعنى روايته وكانت هذه القراءة (^٢٦٥) بمعمر العوان لأبى طاهر إسماعيل بن خلف النحوي، والتيسير لأبى عمرو الداني والشاطبية.
وأخبرته أنى قرأت بهذه القراءة وبغيرها على مشايخ، منهم: الشرف موسى بن أيوب الضرير المالكي والعلامة التقى عبد الرحمن البغدادي الواسطي، والعلامة السيف أبو بكر بن آيدغدي الجندي بقراءة الثلاثة بهذه القراءة على العلامة التقى الصائغ عن الكمال الضرير عن الشاطبى، وأخبرته أيضا أنني قرأت بهذه القراءة وبغيرها على البرهان الشامي بقراءته على مشايخه الخمسة: العلامة أبي حيان أمين الدين، والعلامة البرهان الحكرى، والعلامة الشمس بن السراج، والعلامة الشمس محمد بن الوادي آشى، والعلامة محمد البرقي الحنفي بأسانيدهم المتصلة بالأئمة السبعة، المرفوعة إلى سيد الأولين والآخرين. وكان ختم هذه الختمة يوم الثلاثاء خامس عشر رمضان سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وكتب الإجازة محمد بن أحمد بن محمد الدموهى (^٢٦٦)، وشهد على الشيخ بذلك جماعة منهم: شيخنا شيخ الاسلام ابن حجر والبرهان إبراهيم بن أحمد بن علي البيجورى وغيرهما من الأعيان.
_________________
(١) جاء بعد «هذه القراءة» في السليمانية «بمصر العنوان» وفي تونس كما في المتن «بمعمر العوان».
(٢) ويعرف أيضا بقاضى الحوض وذلك لأنه جلس للقضاء بالمسجد الذي يعلو الحوض من السيوفيين الذي بناه برسباى تجاه مدرسته، هذا وقد هجاه البقاعى بقوله: توليت قاضى الحوض كدرت ماءه … فلو كنت شيخ البئر أضحت معطله وقد صرت كلب الماء غيض عن الورى … فلو عدت ضبع الماء أفنيت مأكله سعيت بجهل أن تكون مهذبا … فدعواك يا مجنون قيد وسلسله وكان وفاته سنة ٨٥٠. انظر الضوء ٧/ ٢٠٢.
[ ١ / ١٠٦ ]