، بن الفخر عثمان بن النجم محمد بن المحبي محمد، الإمام الفاضل والأديب البارع أبو الثناء، شهاب الدين بن شمس الدين (^٥٠٤) الأشليمى، الحسيني (^٥٠٥) سكنا، الشيخ شمس الدين السعودي
_________________
(١) نسبة إلى شرعب بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح العين المهملة، آخرها باء موحدة. قال القاضي الفاضل إنها قرية باليمن انظر ياقوت: معجم البلدان ج ٣ ص ٣٣٥.
(٢) المدرسة السميساطية أو الخانقاه السميساطية بمهملات مصغرة نسبة إلى السميساطى أبى القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمى الحبشي من أكابر دمشق. وسميساط قلعة على الفرات بين قلعة الروم وملطية. وكانت هذه المدرسة أو الخانقاه دار عبد العزيز بن مروان بن الحكم. راجع الدارس للنعيمى ج ٢ ص ١٥١.
(٣) ذكر السخاوي عن صاحب الترجمة الضوء ٢/ ٣٣٦ أنه ولد باليمن سنة خمس وتسعين تقريبا. ثم أشار إلى وفاته سنة ٨٣٧ بدمشق.
(٤) في تونس والسليمانية «الأسليمى» ولكنه «الأشليمى» في الضوء ٢/ ٣٤٣، هذا وقد نقل السخاوي في الضوء، ج ٢ ص ١١٤ س ١٥ - ٢٠ ترجمته من هنا حتى عبارة «عد الصلاح أكرمهم».
(٥) أي أنه كان من الحسينية بالقاهرة. والحسينية كما ذكر المقريزي حارة بالقاهرة وقيل إنها عدة حارات، عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية، وقال ابن عبد الظاهر إنها كانت من الحارات التي تقع يمين باب الفتوح، وقد كانت سكنا للارمن وبها سبعة آلاف نفس وبها سوق. وذكر في مكان آخر أنها منسوبة إلى الجماعة من الأشراف الحسينية كانوا قد قدموا من الحجاز واستوطنوا بها، وهذا وهم. انظر الخطط للمقريزي ج ٢ ص ٣٣،٣٢.
[ ١ / ١٩٨ ]
الحنفي، وكان جدّه لأبيه يلقب بصلاح الدين فغلب عليه «الصّلاح» بغير إضافة، وربما قيل «صلاح» فظنّ أنّه اسمه، وكان آخر أجداده محيي الدين القاضي، وكان جدّه «الصلاح» ذا أموال عظيمة ومكارم عميمة، واتصال بالأكابر. حكى أنه مرّ به بعض مشايخ العرب فأضافه فقال إنه لم ير أكرم من ثلاثة كلهم فقهاء، وعدّ الصلاح أكرمهم. وكان جده لأمّه عالما صالحا أديبا مصنّفا.
ولد الشهاب في حدود سنة عشرين وثمانمائة بخط الحسينية من القاهرة، وقرأ بها القرآن وصلّى به، وحفظ العمدة لعبد الغنى، والمنهاج للنووي وألفيّة ابن مالك، ومقدمة الشهاب الحناوى المسماة بالدرة المضية في علم العربية «وجمع الجوامع» «وتلخيص المفتاح»، وعرض بعضها على أعيان العصر وأجاز له منهم الرواية شيخ الاسلام قاضى القضاة ابن حجر وقاضى القضاة محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي والمجد البرماوى الشافعي.
ثم أقبل على التفهم وسنّه نحو الخمسة عشر فخاض بحار الفنون وغاص لحج غمراتها حتى حصل على الدر المكنون، وجدّ في اشتغاله واجتهد، وطلب التعدد في الأمور فأقام ما قد وهنه، فارتقى ذرى النجوم ولا بدع، وقعد يبحث محفوظاته على علماء العصر، فأخذ العربية عن الشهاب الحنّاوى وهو أول شيخ بحث عليه وانتفع به جدا، وأخذ المنطق والعروض عن الشيخ أبى القاسم النووي، والمعاني والبيان عن الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن الشيخ يحيى السيرافى شيخ الظاهرية والصّرف عنه وعن الشمس القاياتى، وأصول الدين عن التقى الشمنى، وأصول الفقه عن الشمسين الونائى والقاياتى، والفقه عنهما وعن الشريف النسابة، وعلم الحديث عن شيخ الاسلام ابن حجر، فبرع في هذه الفنون كلها في مدة غير طويلة.
[ ١ / ١٩٩ ]
وله النثر الفائق والنظم الرائق الممكن القوافي، المنسجم الألفاظ والمعاني.
أنشدني من لفظه لنفسه ما كتبه إلى الشهاب ابن السعود ملغزا في كأس وقد سأله مرارا أن يكاتبه بشيء من شعره فقال:
ألا يا شهابا لي بأنواره هدى … وللضد منه جذوة النار تلفح
ويا ذا الحجى الوارى زناد ذكائه … على أنّ فيه عاقلا ليس يقدح
فديتك يا حلو المراشف واللّما … على أنه عند المذاقة يملح
إذا ارتشف المشتاق يا صاح ثغره … غذا ثملا من ريقه يترنّح
بمبسمه الزهر الأقاحى تضوّعت … ووجنته فيها جنى الورد ينفح
ينم بما استودعته ويذيعه … وكل إناء بالذي فيه ينضح
ويسحب ذيل الشّرب من مرح، ولا … عجيب لكأس إن غدا وهو يمرح
يبيت يكيل التبر لكن مع الغضا … تراه البرايا ساهدا حين يصبح
يقوم على ساق يسرك منظرا … وفي الكعب وصف من ملاحظ (^٥٠٦) يترح
عجبت له، كم فيه قد حار ذو حجى … على أنّ أنوار الهدى منة تلمح
وأعجب من ذا أنّ خمر فؤاده … يمج، ومنه الماء يطفو ويطفح
تركّب عندي من ثلاثة أحرف … وقد قيل ثلث الثّمن من ذاك أرجح
وإن صحّف الإنسان مقلوب لفظه … يجده جوابا منه في اللجّ يسبح
فأفصح بما ألغزت فيه فما أرى … سواك فتى عن رمز معناه يفصح
وعش ما بدى شكل الهلال وأشرقت … شموس، ولاحت أنجم تتوضّح
***
_________________
(١) في السليمانية وتونس «ملاحظة».
[ ١ / ٢٠٠ ]
فقال ابن أبي السعود مجيبا:
بحسن ابتداء جاء لغزك يوضح … صحيح وداد وهو أنجى وأنجح
وأهديت لي في الكأس لفظا مقرقفا (^٥٠٧) … وكلّ إناء بالذي فيه ينضح
وأثلجت صدر اللغز واستيقظ الحجا … ألم تر «حاءات» الروى تنحح؟
ويا ليت ذاك الشعر جاء مرادفا … ليعجب منه قافلا وهو يفتح
ولست أجيب الآن عنه لأنه … يسابقه التفسير منك موضّح
ولكن بدى لي أن أحاجى ناظما … فلا ينثني (^٥٠٨) المقصود ما عنه أبرح
واستمر إلى الآخر على هذا النحو الملحون بهذه الألفاظ الركيكة والمعاني السافلة وهو لعمري لا يشعر، وهو مع ذلك يظن-بل صرح لي بما يقتضى-أن نظمه أحسن من نظم الملغز، بل أنه ليس بينهما أفعل تفضيل، فيا للّه العجب من هذا الحمق المتمكن والجهل المركب (^٥٠٩).
انظر كيف تهافت على قوله «أشجى وأنجح» من أجل قول ابن صالح «يطفو ويطفح» وقايس بين الكلامين وفقك الله، ما أقعد ذاك وأطيش هذا!! «كيف يليق بمن عنده أدنى أدب أن يضمن «وكل إناء» الشطر هذا التضمين الذي هو باسم التلقين أولى بعد ذاك التضمين البديع.
وتدبّر قوله «مزرقنا، وفاصلا، ومفتح» والله لقد رأيتهن بخطه ونبّهته فوجدته مشيحا (^٥١٠)، وتأمّل قوله «لا ينثني المقصود ما عنه أبرح» هل له ملاءمة بالصدر؟ لكن ما أحسن قول ابن صالح أنّ قاضى القضاة شيخ الاسلام ابن حجر لو رأى هذا البيت لرجع عن قوله «إن شعر المذكور غير ممكن القوافي»
_________________
(١) القرقف الماء البارد، والقرقف الخمر وهو اسم لها وقيل سميت هكذا لأنها تقرقف شاربها أي ترعده-لسان العرب ج ١١ ص ١٨٩.
(٢) في الأصلين السليمانية وتونس «لاينى».
(٣) جاء بعد هذا في السليمانية وتونس «وقال لي ابن صالح إنه قال لي قولك: ويسحب ذيل الشرب» البيت معيب لأنك ما وطيت له بلبس الثياب، فقال له ابن صالح: الناس عرايا، فقال هل هذا مما يكتفى فيه بالغالب.
(٤) في تونس «مجنحا» والسليمانية «منيحا».
[ ١ / ٢٠١ ]
وقال إنه غير ممكن الأشطار وقد مدح الشهاب بن صالح المذكور شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر لما خطب لتدريس مقام إمامنا الشافعي ﵁ (^٥١١) [عند] تولّيه، وكان شخص قدر رأى في المقام قبل أن يتحدث بولايته بيسير-الإمام الشافعىّ قد جاء للسلام عليه فكان تأويلا قريبا عجيبا بقصيدته الطنانة التي ذكرتها في ترجمة شيخ الاسلام ابن حجر التي مطلعها:
لواحظه تجنى وقلبي يعذّب … فلا سلوتى عنه، ولا الصّبر يعذب
وأنشدنيها من لفظه غير مرة وذلك في شعبان سنة ست وأربعين وثمانمائة، وأنشدني ابن صالح من لفظه ونظمه هذه المقاطيع وهي قوله:
ورب عذول قد رأى من أحبّه … فقال وعندي لوعة من تجانبه
أهذا الذي يسبى حشاك بعينه؟ … فقلت: نعم يا عاذلى وبحاجبه
وقوله:
وظبي من الأتراك حاول عاذلى … كلاما (^٥١٢) عليه وهو للقلب مالك
فلما تبدّى خصره وجفونه … ومبسمه: ضاقت عليه المسالك
وقوله في مليح يسمى خضرا:
أضحى ينادى خضر … ثغر بجفنى حما
يا حبّذا كأس طلا … وحبّذا عين حما
وقوله في مليح يسمى «فرجا» مضمنا، والتورية مثله:
يبكى فؤادي همّ الصّدّ يا فرج … وفيك أصبح صدري ضيقا حرجا
واستيأس القب حتى رحت أنشده … يا مشتكى الهمّ دعه وانتظر «فرحا»
وقوله في مليح يدعى بابن شهيدة:
ألا قل لصبّ هام بابن شهيدة … هو الحب فاسلم بالحشا، ما الهوى
نصحتك علما بالهوى والّذي أرى … يخالفنى، فاختر لنفسك ما يحلو
_________________
(١) وردت هذه العبارة في السليمانية على الصورة التالية: ﵁ قوله وكان شخص توليه …».
(٢) في السلمانية «سلاما عليه».
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقوله في مليح معذر:
بدى فوق خدّيه العذار فزاده … جمالا وأضحى عاذلى يحمل النّصحا
وقال: يمينا لا ألومك في الهوى … على حب مخضرّ العذار ولا ألحا
وقوله في مليح كان يسكن الركن المخلق:
بي من ذا الركن أغيد … فدسبانى بحسنه
سمته الوصل مرة … فتولى بركنه
وقوله بديهة وفيه مواربة:
للّه مجد الدين من سيّد … بقربه أصبح قدرى جليل
يرفعني حتّى على نفسه … فلا عدمت الدهر مجدا أثيل
وقوله:
بادر إليها يا نديمى روضة … قد رشّقتها بالمسيل (^٥١٣) الغمام
يسمّيها بسحب تهادت … وزهرها يرقص بالأكمام
وقوله في الدولاب مضمنا:
دولابنا هذا يشابه عاشقا … صبا تعدّ من السّقام ضلوعه
يبكى على فقد الأحبّة منشدا … من بعدهم: جهد المقلّ دموعه
وقوله:
يا ربّ ليل بتّه متنعما … بين الكؤوس وبين وصل الخرّد
ومجرة الديجور دون هلاله … نهر لجين فيه زورق عسجد
وقوله:
ويوم به شمس السلامة أشرقت … فغارت شموس الأفق واعتادها المحو
وصلنا به الكاسات، والغيم مطبق … فليس لنا فيه، ولا للسما صحو
_________________
(١) في تونس والسليمانية «لمسيل».
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقوله:
رقّت كئوس الخمر لي … فرأيت الكأس رقّت
فصرفت عنها راغما … وقطعتها من حيث رقّت
وحكى لي الشهاب المذكور أنه قبل بلوغه العشرين مدح بعض الرؤساء بقصيدة. وهي أول مدحه-واهتم بإيصالها إليه، فرأى في المنام كأنه يكرّر هذين البيتين، وهما:
عظيم لطف مولانا الرحيم … فثق باللّه ذي الفضل العميم
تأمل لطف ربّك (^٥١٤) واعتبره … ترى الإقبال من جهة الكريم
وما كان يحفظهما قبل ذلك ولا رآهما ولا مرّا بذكره.
فقال: «ثم استيقظت وأنا أكررهما وأبكى، فتيسر الاجتماع بذلك الرجل [ولقيت] منه الخير فوق ما كان يرجى منه، ثم ترادفت الألطاف من قبل الله ﷾. فلله الحمد».
ورافقنا شخص ثقيل يقال له «المسيرى» في جنازة (^٥١٥)، فقال لي ابن صالح: «ينبغي أن ننظم (^٥١٦) أشياء، ما رأيت أثقل من هذا المسيرى نودي بهذا» فأخذنا في ذلك، فنظمت البيت الثاني وعجز الأول، ونظم هو صدره، وكان له المعنى ولى غالب اللّفظ، فقلنا:
بلينا بالمسيرى ذات يوم … وقد رحنا إلى نحو القبور
فنازعنا المسير فما رأينا … بأثقل قط من هذا المسير (ى)
_________________
(١) في السليمانية «مولاك».
(٢) في السليمانية وتونس «خيارة» وقد آثرنا اللفظ أعلاه لاتفاقه مع الموقف الذي فيه الخبر.
(٣) في تونس «تعظيم»، وفي السليمانية «تعظيم».
[ ١ / ٢٠٤ ]
ثم مررت أنا وهو في بعض الطرق بالقاهرة في أول سنة ست وأربعين وثمانمائة، وقد أمر العوام بأن يقطعوا الطرق، أي يحفروا الأرض ويخففوا من ترابها، وكان الوالي يضرب من لم يفعل ذلك منهم، فقلت: ينبغي أن ننظم هذا المعنى فيقال: «ومن لا يقطع الطّرق يضرب»، فنظم ابن صالح تكملة هذا البيت، ونظمت أنا الأول، ثم غيّر فيه ألفاظا فصار هكذا:
إلى الله نشكو ما بمصر من البلا … فحكّامها في حكمهم قد تقلّبوا
تسلّم قطاع الطريق من الأذى … لديهم، ومن لا يقطع الطرق يضرب
وكان شخص يقال له «ظهير الدين» يصحب ابن الكويز الكركي، واشتركت أنا وابن صالح في نظم هذا المقطوع فيه:
قل للظّهير دع الكويز فأصله … ما قد علمت، فلا تكن مغرورا
وارجع إلى الإيمان تنج من الضلا … ل، ولا تكن للكافرين «ظهيرا»
وصحب ابن صالح القاضي كاتب السرّ ابن البارزى في سنة ثمان وأربعين فاختص به جدا، وصار أحد ندمائه والمقدمين عنده، ولما حجّ سنة خمسين أخذه معه واستأمنه على ما كان معه من النقد، وأركب المحمل الذي أعده لراحته وكان فيه حاله، وكان من أهل الرملة شخص يقال له أبو حامد يستثقل ويحضر مجالس الكبار ويطرد بأنواع الطرد ولا يؤثر فيه، فلما عجزوا فيه خفّفوه بأن اتّخذوه ضحكة، فحضر عند القاضي كاتب السر في مجلس فيه ابن صالح وسيدي يحيى بن العطار وشهاب الدين أحمد بن فلاح فتناوبوا (^٥١٧) فيه النظم فقال ابن صالح:
الوز أقسامه شتى، فوزتنا … أنثى، وكنا حسبنا أنها ذكر
وقال بعضهم من قافية أخرى:
كأن فتحته من تحت خصيته- … إذا تكشّف:-باب فيه قنديل
وقال سيدي يحيى:
قوموا اتفلوا في عذاريه ولحيته … لأنه وزة في الماء بل بولوا
_________________
(١) وردت هذه الكلمة في السليمانية وتونس بلا تنقيط.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقال ابن صالح:
بلّوه بالبول حتى ذقنه غرقت … هنا على أنّه في الناس مبلول
وقال ابن صالح من قافية أخرى:
يكسى ثياب النحو ما بين الورى … أقبح بها في الناس كسوة عارى
وقال ابن فلاح:
في وسط لحيته [عملت] تعمدا … وعلى شواربه خلعت عذارى
وحكى هذا الثقيل عن نفسه، قال: «غسلت وجهي وأطرافى في زير سبيل عندنا في مدرسة جمال الدين للشرب». فقال ابن صالح (^٥١٨) على الفور:
«مسألة: صرح العلماء ﵏ أن المياه المسبلة للشرب لا يجوز غسل الوجوه منها ولا الأطراف»، وكانت من غرائب التورية.