بن أبي البركات محمد بن علي بن أبي القاسم حسن بن عبد القوى (^٥٣٦) التّجانى (بكسر المثناة فوق والجيم المثقلة نسبة إلى قبيلة بالمغرب)، التونسي المولد والمنشأ، المالكي الشهير بأبى العباس بن كحيل (^٥٣٧) قاضى الركب الحجازي.
ولد في ربيع الأول سنة اثنتين (^٥٣٨) وثمانمائة في تونس، وتلا بالثمان والسبع على مشايخ من الأعلام منهم: الشيخ قاسم بن أحمد بن إسماعيل البرزلي القيرواني، والشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن مسعود القرشي، والشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد الشقورى الباجي، الأندلسي الأصل، والشيخ أبو محمد عبد الواحد عرف بالعلّاف، وأعلى ما عنده في ذلك طريق الحرمين قرأه بها على الشيخ الصالح أبى القاسم الفلاحى عن سيدي أبى عبد الله الشريف، وبينه وبين أبى وضاح ثلاثة أنفس. وأخذ النحو عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن داود الصّنهاجى الآخذ عن الخولاني، وهو من طبقة أبى حيان عصرا وتمكّنا، بحث عليه الجمل للزجاجى، والمغرب لابن عصفور وبعض كتاب أبى الحسن الجزولى، ثم عن الشيخ أبى الحسن الأندلسي الشهير، سمعت (بلفظ الفعل الماضي المتصل بضمير المتكلم) [أنه] بحث عليه الخلاصة والألفية (^٥٣٩) لابن مالك، وأعرب عليه قصيدة البيرى (بفتح الياء) المسماة «منابذة العمر الطويل» وأولها:
تفتّ فؤادك الأيام فتّا … وتنحت جسمك الساعات نحتا
و[بحث] غير ذلك عليهما وعلى غيرهما.
وأخذ علم المنطق وعلم الكلام عن أشياخ عدة منهم:
_________________
(١) فراغ في السليمانية وتونس.
(٢) أمامها في هامش تونس «ترجمة أحمد التجاني التونس».
(٣) الضبط من الضوء اللامع ج ٢ ص ١٣٦ حاشية رقم ١.
(٤) سيرد فيما بعد أن عمره كان ١٠٤ سنوات سنة ٨٤٦.
(٥) واو العطف في «والألفية» ساقطة من تونس.
[ ١ / ٢١٠ ]
الشيخ البارع المفنن أبو عبد الله محمد بن خلفة (^٥٤٠) الأبّى (بالضم)، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد البسيلي (نسبة إلى بلدة بسيلة (^٥٤١)، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الشماع. و[أخذ] أصول الفقه عن الشيخ أبى العباس أحمد المدغرى والأبّى والشماع والبسيلي المذكورين و[وأخذ] الفقه عن الشيخ أبى القاسم البرزالى المذكور والقاضي أبى يوسف يعقوب الزغبى والشيخ أبى القاسم العبدوسى وغيرهم. وعلم المعاني والبيان عن الشيخ المدغرى وأبى الفضل بن الإمام وغيرهم. كل ذلك لقراءته عليهم بنفسه.
وأخذ علم (^٥٤٢) الهندسة حضورا وسماعا عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن مرزوق وسمع في مجالسه غالب ما كان يقرأ عليه من علوم شتى وكذا الشيخ [أبو القاسم (^٥٤٣) العقبانى. وأما علم الوثائق والأحكام وما يتعلق بذلك فأخذه عن الشيخ] أبى عبد الله محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشهير بابن الحاج، وأخبرني سنة ست وأربعين أن عمره الآن مائة عام وأربعة أعوام وأنه العدل بتونس وخطيب جامع الزيتونة وإمامه، وأنه طلب للقضاء عام خمسة عشر فامتنع، وشيخه في ذلك الشيخ أبو القاسم الغبرينى.
وسمع الحديث على الشيخ الفاضل أبى زكريا يحيى بن منصور:
حديث الرحمة المشهور في بلاد مصر بالمسلسل بالأولية والشيخ أبى عبد الله محمد بن مسافر العامري والشيخ أبى القاسم الأندلسي والشيخ أبى عبد الله محمد الشريف التلمساني، وقرأ عمدة الأحكام للمقدسى والموطأ رواية يحيى بن يحيى والترمذي والشمائل له رواية على الشيخ أبى القاسم البرزالى والبخاري وأبى داود على الشيخ الشماع وغيره، وسمع قراءة صحيح البخاري ومسلم والموطأ على الشيخ البرزالى والزغبى والأبى ابن داود المذكورين وغيرهم.
_________________
(١) رسمتها تونس بكسر الخاء وسكون اللام وفتح الفاء.
(٢) «بسيلة» بلد بالمغرب.
(٣) في تونس والسليمانية «عن»، والأصوب أن يقال «علم» كما أثبتنا ذلك بالمتن.
(٤) العبارة التي بين الحاصرتين ساقطة من السليمانية.
[ ١ / ٢١١ ]
وبحث بعض علوم الحديث لابن الصلاح، والبيان للشيخ محيي الدين النواوى على الشيخ أبى محمد عبد الواحد الغريانى والمدغرى المذكور.
وسمع على الغريانى الرسالة القشيرية وسراج المهتدين، وسراج المريدين كلاهما للقاضي أبى بكر بن المغربي، والبخاري سماع تفقّه على الغريانى المذكور وغيره.
وصنّف في علم الفقه [متنا] سماه بالمقدمات في مجلد لطيف، وفي علم الوثائق مجلدا سماه الوثائق العصرية، وفي التصوف كتابا سماه «عون السائرين إلى الحق».
أنشدني يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال سنة ست وأربعين وثمانمائة بخط فندق الكارم بمصر العتيقة من لفظه لنفسه يمدح شيخنا شيخ الإسلام [ابن حجر العسقلاني]، وقد لقيته قرب قلعة الجبل وأنشدهما ارتجالا:
أحسنتموا (^٥٤٤) في العاملين وحزتموا … رهن السباق بنشر فتح الباري
فالله يكلؤكم ويبقى مجدكم … ويحوطكم من أعين الحساد (^٥٤٥)
أنشدنا كذلك يمدح شيخه الشماع عام خمسة عشر بقصيدة منها:
أقول لمن هواه رماه نبلى … مضاع دهره في كل هزل
تبصّر من فعالك وادر قولي … ألا يا طالب العلم استمع لي
وإن لم أحكم الأشياء فهما
إذا ما أنت لنصحى لن تردا … تنل علما وفخرا مستمدّا
وتلحق من علا وتحوز رفدا … عليك بخيرهم: بيتا وجدّا
ودينا مستقيما ثم علما
_________________
(١) ورد هذا الشطر الأول من البيت في الضوء اللامع للسخاوي ٢/ ١٣٧ على الصورة التالية «قد فزتم بين الأنام وحزتم».
(٢) ورّد بالسليمانية وتونس «الأغيارى».
[ ١ / ٢١٢ ]
وخاتمتها:
هدى المبصرين وحيد عصر … فريد الدّهر ذا الإسماع نعما
حياه الله للطلاب جاها … وللحسّاد تعنيفا ورغما
وذلك في مجلس واحد كتبه من غير ترو ولا مسودة، فأجاب الممدوح قدس الله روحه:
يا أبا العباس يا نجل ابن كحيل … فقت في النظم على نظم السهيلي
فحباك الله من علم ودين … واعتقاد سالم من كل ميل
وبقيت الدهر في سقى ورعى … وعداك الكل في نوح وويل
ومن أكثر أشياخه الذين أخذ عنهم القراءات السبع وغير ذلك: الشيخ الشهير أبو مهدى عيسى الغبرينى، وأشياخه كثر جدا.
ومن مشايخه في التصوف الذين بهم يجادل ويصاول ويسأل اللّه ﷿ بأسراره: الشيخ أبو محمد عبد اللطيف المقدسي والشيخ أبو عبد الله محمد العتابي (^٥٤٦) والشيخ أبو عبد الله محمد الأنباسى والشيخ أبو علي عمر الركراكى والشيخ أبو عبد الله محمد الجازولى والشيخ أبو علي منصور البازي نسبة إلى بازة (^٥٤٧) بالغرب الجواني، وغيرهم من أرباب الأحوال.
وأدرك أبا زكريا يحيى بن الإمام والشيخ المعمر الشهير أبا الحسن على القطاوى والشيخ أبا الحسن على المنستيرى والشيخ ياسين، ودعوا له بخير وأخبروه ببشائر دنيوية وأخروية نرجو من الله مثلها.
و[أدرك] من العصريين أعلى متنه من أصحاب الأحوال الشيخ أبا عبد الله محمد التبزونى الشهير بشوشو (^٥٤٨) والشيخ أبو العباس أحمد بن عروس وغيرهم
_________________
(١) غير واضحة في كل من السليمانية وتونس.
(٢) بازة: بلد بأرض السودان وراء سواكن، يجلب منه الحمام البازي إلى مكة شرفها الله. هكذا قال ياقوت في معجم البلدان ج ١ ص ٣٢١.
(٣) ضبطها في تونس بفتح الشين وسكون الواو هذا ولم ترد في السليمانية كلمتا «الشهير بشوشو».
[ ١ / ٢١٣ ]
من السادات الصوفية أرباب الإشارات كالشيخ أبى عثمان سعيد وغيره كثيرون، أبقاهم الله.
وله سند يعلو من طريق الشيخ أبى عبد الله محمد بن محمد بن القماح، وصهره أبى صهر المترجم أبى العباس محمد بن الأزرق والشيخ أبى زكريا يحيى العنزي والشيخ أبى الحسن علي بن مروان صاحب الفهرست الذي جمع فيه بين أشياخ المشارقة والمغاربة قال:
«وأخذ عنه أشياخنا كأخذى عنه» قال:
«وبينه وبين الشاطبى خمسة أشياخ، ألا وإنّ إلى الله الملتجا، وبثّ ضرورة الشكوى من أمور تترى، تذهب البال، وتقفل المسيرة عن الإقبال، وما أحسن قول القائل:
إذا المرء اشترى فضيلة … فلا تسله عن مسأله
شروط العلم أربعة … فأولها التفرّغ له
وحفظ ثم فهم … ثم نقلكه على الجملة
ألا وإنّي خلو عن الفضل والفهم، ينشد لسان حالي:
خلت الرقاع من الزجاج … فقررت فيها البنادق
صمتت بلابيل الزما … ن فأصبح الخفاش ناطق
وحسبي إذا سئلت الاعتراف بما اجتنبت من الاقتراف وطلب الدعاء من مقام السادة المولوية الحجرية الفريدة في الإسلام، العزيزة بين الأنام، أبقاها الله ووقاها، لكن الامتثال الحامل على إجابة السؤال، فليسمع المملوك مقام الجمال، وإذا كان المترك إكراما كان الفعل احتراما، والله ولى المعونة لا شريك له».
ولما كان عام ستة وأربعين وثمانمائة عزم على الحج إلى بيت الله الحرام مصاحبا للرّكب المغربي الموجه عن أمر السلطان أبى عمرو عثمان بن السلطان أبى
[ ١ / ٢١٤ ]
عبد الله محمد بن السلطان أبى فارس، فأكرمه وأرسل إليه بما يعينه على ذلك، وسأله أن يكون قاضى الركب فأجاب بعد امتناع وكراهية سائلا أن يعينه الله على ذلك، وأن يجمل خلاصه من عهد الدنيا ويحمله الفحص عن أرباب الأحوال، ومن فتح عليه باب فليلزمه، جعلنا الله منهم ومعهم في الدنيا والآخرة.
ومن أكابر أقار به البجائيين الشيخ أبو الحسن علي بن أبي البركات محمد، ومن مصنفاته «كرامة العلامة في علاقة الكرامة» في مجلدة قال: «وهو ملكي بخط مؤلفه»، والشيخ أبو عبد الله محرز بن محمد، ومن مصنفاته «تحفة العروس» وهو كتاب يشتمل على أدب وتاريخ، و«أسرار النكاح» وغير ذلك، صنّفه للسلطان أبى يحيى زكريا الحفصى، و«الرحلة» يشتمل على ما استفاده حال رحلته، و«الحلل»، وغير ذلك من تصانيف البجائيين وهم مشهورون في تونس.
لقيته يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال سنة ست وأربعين بمصر العتيقة قرب فندق الكارم (^٥٤٩)، وأجاز لي، وكتب باستدعائى وأملى علىّ هذه الترجمة.
وهو حسن العبارة، جيّد البديهة، حسن السمت، سديد العقل، وسمعت أنه عازم على المجاورة بمكة المشرفة، نوّله الله ما يرجوه من مقاصد الخير.
ولما ذكرت له شيخنا، أكثر الثناء عليه وشرع يصفه بمولى المسلمين، ويذكر ماله من الشهرة ببلادهم بالعلم والنّهى والدين والمصنفات والذكر الجميل الذي قد ملأ الاسماع.