، أبو الطيب شهاب الدين ابن الشيخ صلاح الدين الصالح المقرئ، شمس الدين الأنصاري الخزرجي السعدي العبادي، الحجازي الأصل، المصري الشافعي، الأديب، البارع، المفنن.
ولد في الدرب الأصفر قرب باب النصر من القاهرة في سابع عشرى شعبان سنة تسعين وسبعمائة.
أخبرني أنه كان يلقّب «زكى الدين» ابتداء، وأنه كانت عندهم نسبة تتصل بسعد بن عبادة فأعدمها قريب لهم في كائنة فظيعة فعلها.
حفظ القرآن، وقرأت عليه وأجازنى، وتلى برواية أبى عمرو على أبيه، وحفظ كتبا عرض منها العمدة ونور العين «مختصر السيرة الكبرى النبوية»:
كلاهما تصنيف الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، و«التنبيه» و«الملحة» على الزين العراقي وولده الولي أحمد.
واشتغل في النحو والفقه وغيرهما، وأخبرني أن أول شيخ سمع عليه بحث العلم الشيخ كمال الدين الدميري، وقد لازمه مدة وهو صغير، وسمع عليه من شرحه لابن ماجة، وحصلت له منه ملاحظة، ودعا له وأخبر أنه يحبه.
وأخذ الفقه عن العز ابن جماعة والشمس وغيرهما، و[أخذ] النحو عنهما وعن الشيخ ناصر الدين بن أنس والشهاب الحناوى، و[أخذ] الفرائض عن ابن أنس، ولازم قاضى القضاة شمس الدين البساطى وقاضى القضاة ولى الدين العراقي فانتفع بهما كثيرا في الفقه والنحو والأصل وغيرها.
وحج سنة ثلاث وأربعين، ودخل دمياط، وعنى بالأدب كثيرا إلى أن تقدم فيه على أقرانه، وصار أحد أعيانه.
[ ١ / ٢١٩ ]
وصنف مجموعا سماه «روض الآداب» يشتمل على منظوم ومنثور وغزل ومدح وألغاز ومفاخرات وأزجال وموشحات وحكايات وغير ذلك، وآخر سماه «حبيب الحبيب ونديم الكئيب» يشتمل على مقاطيع ليس غير، وهو مرتب على حروف المعجم، وانتزع الأبحر، ونظم في فنون الأدب وأكثر.
وهو حلو الكلام، طريف النادرة، خفيف الروح، سريع الجواب، كثير التلاوة، حسن الصورة، حدثني أنه رأى داخل باب النصر من القاهرة شخصا موسطا، أقعد على نصفه الذي فيه رأسه على رماد، فاستمر بعد أن وسّط من بعد العصر إلى المغرب يتحدث حديثا كثيرا منتظما، وحكى للناس أنه مظلوم وأطعموه بطيخا وغيره، فعند المغرب رفسه شخص فقلبه [فبقى (^٥٥٤)] قليلا ومات، ووجدوا الذي أكله متغيرا.
عرض الشيخ (^٥٥٥) شهاب الدين «ملحة الأعراب» على الزين أبى الفضل العراقي وأجاز له أن يرويها عنه عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز عن الكمال بن عبد عن أبي طاهر الخشوعي عن الحريري، وأجاز له جميع ماله وعنه، وكذا ابنه ولىّ الدين والنور الهيثمي والزين عبد الرحمن بن علي بن خلف الفار سكورى، وسمع «الأربعين» لعبد الخالق السحامى مع ما بآخرها تخريج أبى الحسن الشهر ستانى على قاضى القضاة المجد إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى الكناني الحنفي.
***
_________________
(١) في السليمانية فراغ بقدر كلمة، وفي تونس كلمة غير مقروءة ولذلك أضفنا ما بين الحاصرتين لأنها أقرب إلى سياق الكلام.
(٢) يعنى صاحب الترجمة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أنشدني من لفظه لنفسه يوم الثلاثاء ١٤ ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بالقرا سنقرية (^٥٥٦) [قصيدة] على وزن [قصيدة لابن زيدون] في ضد معناها:
ملكت فاحكم بمهما إن تشا فينا … ها أنت ممرضنا، ها أنت شافينا
لسنا نؤمّل شيئا منك غير رضا … وقربنا منك، يا أقصى أمانينا
حاشاك يا غاية الآمال تبعدنا … فما من البرّ إبعاد المحبينا
روحي الفدا لحبيب قد دنا ووفى … ولا رقيب ولا واش فيؤذينا
لا يشتهى الراح مع ظلم له أبدا … ولا الظّما نشتكى ما دام يروينا
يسعى لنا بشمول من شمائله … وبالجدود (^٥٥٧) يحيّينا فيحيينا
في روضة رقصت أغصانها طربا … من شدو ورقا عن الألحان يغنينا
شقيقها شقّ غيظا قلب حاسدنا … وحسن منثورها المنظوم يلهينا
والقلب سرّ بعيش قد صفا فدعى … بأن ندوم، فقال الدهر: آمينا
والشمل مجتمع، لا يشتفى أبدا … يوما من الدهر واشينا ولا حينا
فإن بكينا فليس الدمع من حزن … لكنّ فرط السرور المحض يبكينا
لا يعرف الحبّ هجرانا ولا مللا … ونحن لا يعرف (^٥٥٨) السلوان نادينا
رأت حاسدنا يشكو الزمان فما … يزال يعصيهمو قهرا ويرضينا
نمسى ونصبح في ظلّ الوصال وقد … «أضحى التدانى بديلا من تنائينا»
حدثنا (^٥٥٩) الشيخ شهاب الدين الحجازي قال: مرّت لي غرائب في عمرى، منها أنى كدت أغرق في بطيخة، وذلك أنى لما كنت صبيا حملت بطيخة صيفية على رأسي وإذا هي منتهية جدا ولم يكن على رأسي غير طاقية، فتقوّرت فدخل رأسي فيها حتى غطت على أنفى وفمي، وشرعت أريد رفعها فمنعني من ذلك نزولها إلى أسفل لثقلها، فطأطأت رأسي حتى نزلت منه.
_________________
(١) المدرسة القراسنقرية: تنسب إلى الأمير قراسنقر أحد مماليك المنصور قلاون وهي بخط رحبة باب العيد من القاهرة، أما دار قراسنقر فبحارة بهاء الدين. انظر السلوك، ج ٢ ق ٣ ص ٥٥٨.
(٢) في تونس والسليمانية [وبالجذور].
(٣) في تونس «نعرف».
(٤) يعنى بذلك صاحب الترجمة.
[ ١ / ٢٢١ ]
ومنها: أنى كدت أغرق في زير، وذلك أنى دخلت إلى مدرسة بيبرس في شدة الحر وأنا شديد العطش، فنظرت فلم أجد بها ماء إلا في قعر أحد أزيارها وهو كبير جدا، فمددت يدي بالكوز إلى الماء فحملني الطمع على أن زدت شيئا، فانقلبت على رأسي وأيقنت بالهلكة، فجعلت رأسي في جانب الزير وأسفلى (^٥٦٠) في جانبه الآخر واستدرت جدا، وأردت الاعتماد بيدي في جوانب الزير فإذا هي شديدة اللزوجة من الطين الذي قد لصق بها من الماء، لا تثبت بها وأنا مع ذلك انخفض إلى الماء قليلا قليلا حتى وصل رأسي إليه وأنا في هذه الحالة-بشهادة الله-أتفكّر في أنّ الناس يستسمجوننى على هذه الموتة، فيقال مات الحجازي، فيقال متى؟ فيقولون الساعة رأيناه!! فيقال:
غرق؟ فيقال: في البحر؟ فيقال: لا، فيقال: في البركة؟ فيقال: لا، فيقال: في الخليج؟ فيقال: لا، فيقال: في البئر؟ فيقال: لا، بل في الزير، فيشتد التعجب من ذلك ولا تحكى لهم الحكاية إلى آخرها على وجهها حتى يتداعى الناس لسماع ذلك من كل ناحية ويستقبلنى كل من يسمع ذلك ويقولون: «هذا رجل لا يدع التغريب لا في حياته ولا في مماته».
فلما وصل رأسي إلى الماء تداركني اللّه بلطفه فوقعت يدي على نقرة في الزير صغيرة فاعتمدت عليها بإصبعى ولم أزل أبذل جهدي حتى تخلصت وقد بلغت الروح التّراقى وأيقنت أنه يوم فراقي.
*** ومنها أنه اتفق يوما أن جعلت. جميع لباسى جديدا حتى العمامة والقبقاب وذهبت لبعض شأني، فلما كنت بالصنادقيين عند دكان الشرائحى واتفق أن ذبح أحد غلمان الجرائحى وزّة فانفجر من ودجيها عينا دم فصعدا كالسهم، فأصابا عمامتي ولوّثا ما دونها من لباسى حتى سير القبقاب وأخذت كلا منى ومن الذابح بهتة، فبقى كل منا على حاله: أنا واقف مكاني وهو ممسك برقبتها والدم فائر علىّ حتى امتلأت ثيابي، فرجعت لأغيّرها، فلما
_________________
(١) «وأسفلى» ساقطة من السليمانية.
[ ١ / ٢٢٢ ]
كنت تجاة الصالحية عند دكان البطيخي دست على قشرة بطيخة فعلا من تحتها من ذلك الطين الخبيث الريح، والحمأة (^٥٦١) الرقيقة التي تجتمع من عفونات القشور وغيرها بتراب من داخل، فأصاب سراويلى وبطني وباطن ثيابي حتى انتهى إلى ذقنى، فزاد غيظي واستمريت راجعا، فلما حاذيت مسجد الفجل إذا شخص أمامى على رأسه دست فخفت أن يزيدني سخاما فالتفت فإذا شخص ورائي ومعه حطب، فخفت أن يحرق بعض ثيابي ويضايق ما بينها، فتزايد وجلى وتحيّرت في أمرى فاضطربت رجلاى، فضربت فردة القبقات اليمنى والفردة اليسرى بزّ رجلي اليمنى، فأدمتاهما، وانتزت إحداهما بدرج حتى وقعت داخل كانون الطبّاخ، فتصايح الناس، فاتوا بها فأخرجوا القبقابة تلتهب نارا فدفعت إليهم الأخرى وذهبت، فأحضر لي بعض الناس قبقابا زحّافا فلبسته وتوصلت به إلى بيتي.
ولما فرغ من هذه الحكاية قال:
«ان كثيرا من الناس يظنّون أنى صنعتها لكثرة غرائبها»، ثم حلف بالله جهد يمينه أنها وقعت له برمّتها، وما اخترعها.
*** وأراه بعض أصحابه بيتين مواليا لا يعرف قائلهما فيهما التزامات كثيرة، وهي أنه إذا اخذ من كل قفل من الأقفال الأربعة شطرة اجتمع من ذلك بيتان (^٥٦٢) من بحر المجتث، ثم يتهجى حروف بيتي المجتث فيكون بيتين مواليا، ومع ذلك فعدد أحرف كل بيت عشرة فقط، وادعى أن ذلك لا يقدر عليه أحد، وهما:
تقول سيبك منى يا شقيق البدر … تقول: خدعتنى بالخنا والغدر
وكان ظنّك إنّي يا جليل القدر … يكون ذلك منى عند ضيق الصدر
_________________
(١) الحمأة: أو الحماة في اللغة: الطين الأسود المنتن. راجع لسان العرب مادة «حمأ».
(٢) في السليمانية وتونس «بيتين».
[ ١ / ٢٢٣ ]
قال الشهاب: «فقدحت الفكرة فأدنوت بيتين في ذلك المجلس على هذا المنوال، وزدت في الالتزام الاشتقاق وهما:
بدى لعزّك ذلى، فارحم الإذلال … وعاد ودّك خلّى ما بدا إخلال
ورام ظلّك ظلى، فانتفى الاضلال … وكان حبّك على جيد الاغلال
ثم يقال:
بدا (^٥٦٣) لعزّك ذلى وعادودك؟؟؟ … ورام ظلك ظلى، وكان حبك على
ثم يقال:
يا ذال ألف، لام، عين، زاي، كاف، وال، لام يا … واو، عين، ألف، واو، ذال، كاف، ما لام يا
واو. راء ألف، ميم طا، لام كاف ظا لام يا … فا، كاف، ألف، نون، حا، يا، كاف، عين لا، ويا
ونظم البحور الستة عشر وبعض الفنون من القرآن العزيز، وجعل لذلك خطبة سماها «قلائد النحور، من جواهر البحور».