، القاضي الإمام العلامة نادرة الزمان، شهاب الدين بن تقى المالكي، الشهير بوالده وبابن أخت بهرام، الدميري ولد سنة خمس وثمانين، وسبعمائة تقريبا بمدينة فوة (^٥٨٨) ثم انتقل به والده إلى القاهرة، فقرأ بها القرآن على الشيخ شهاب الدين القرافى والد صاحبنا الشيخ شمس الدين سبط ابن أبي حمزة، ثم أقبل على التفهم فحفظ على خاله الشيخ تاج الدين بهرام وشمس الدين بن مكين والشيخ عبد الحميد الطرابلسي المغربي، و[حفظ] النحو على الشيخ الغماري والأصلين على القاضي شمس الدين البساطى، وسمع على العلاء بن المجد والبرهان الشامي والزين العراقي وغيرهم.
وحج مرارا، وسافر إلى بلاد الشام وحلب (^٥٨٩) فما دونها، وقرأ بحلب على الشيخ سعد الدين الهمداني «شرح الطوالع في أصول الدين» للبهنسى وكانت
_________________
(١) منظور فيه إلى قوله تعالى في سورة «التكوير آية ١٦،١٥» فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس».
(٢) ورد اسمه في شذرات الذهب ٧/ ٢٤٢ «أحمد بن محمد بن أحمد الدميري المعروف بابن نصر» وفي الضوء ٢/ ٢٣٦ أحمد بن محمد بن حمد بن علي.
(٣) ذكر رمزى أن «فوة» جاءت في معجم البلدان بأنها بليدة على شاطئ النيل من نواحي مصر قرب رشيد بينها وبين البحر ستة فراسخ وهي ذات أسواق ونخيل كثير. قال: والفوة العروق التي تصبغ بها الثياب الحمر، وقد وردت في التحفة بأنها مدينة أقليم فوة والمزاحمتين. انظر رمزى ج ٢ ق ٣ ص ١١٤ - ١١٥.
(٤) واو العطف في «وحلب» ساقطة من تونس.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قراءته قراءة بحث وحل، [وقرأ] «عروض ابن الحاجب» للإسنوى على [محمود] الأنطاكي، وناب في القضاء في حدود سنة (^٥٩٠) اثنتين وثمانمائة عن قاضى القضاة ولى الدين ابن خلدون، واستمر إلى آخر وقت حتى صار أعرف الناس بصناعة القضاء أمهرهم في الشروط، و[عن] علامة المالكية بعد قاضيهم البساطى وحافظ مذهبهم وناشر علومهم وناصر مقالاتهم مع ما يحفظه من اختلاف الأئمة وتفوّق في باقي علوم الأمة حتى إنه كان عين (^٥٩١) مجالس العلم ولسان خطبها وفارس (^٥٩٢) حلبتها.
مناظراته موصوفة، ومحاوراته بين العلماء معروفة، قلّ أن يقوم له في مجلس النظر قائم، وهو من أوعية العلم قلّ أن رأيت في زمانه مثله: فصاحة وعلما ودهاء وحذقا يحفظ كثيرا من التاريخ والشعر والنوادر. وهو حلو النادرة، فكه المحاضرة، سريع الجواب، بليغ القول، جيد الاستحضار لما يرومه، وله شعر سألته أن ينشدنى منه فقال:
فإن لم يكن درا (^٥٩٣) فتلك نقيصة … وإن كان درا كيف يهدى إلى البحر
أخبرني الشيخ شمس الدين القرافى أن والده قال له «إن ابني تقى الدين حفظ «العمدة» في ستة أيام ابتدأها يوم السبت فعرضها يوم الخميس»، وأنه كان لا يسمعه يدرس شيئا إنما يكتب اللوح ثم يتأمله ويعرضه.
وأنه حفظ «الموطأ» وعرضه على خاله بهرام فسمعه عليه كاملا، وقابله معه بنسخة عنده صحيحة، وكان فيها حديث مطول ساقط من النسخة التي حفظ منها، فقال له: «لا بد من حفظك هذا الحديث حتى أكتب لك بالعرض» فقال: «اقرأه على» فقرأه عليه فأعاده عليه حفظا، إلى غير ذلك من أمور الحفظ
_________________
(١) الوارد في الضوء اللامع ٢/ ٢٣٦ أنه ناب عن ابن خلدون سنة ٨٠٤، واستمر ينوب عمن بعده.
(٢) في الأصول «يعين».
(٣) جاءت هذه العبارة في الأصول «ولسان خطبها و«فارس خطبها» والأرجح أن كلمة «خطبها» أما أن تكون «خطبائها» أو «حلبتها» وهذا تأويل بعيد فتكون في الأولى «فارس حلبتها» وأن كان هذا تأويل يبعد عن الرسم الوارد في الأصل.
(٤) في الأصول «دارا».
[ ١ / ٢٣٣ ]
التي هي خارقة للعادة غالبا. هذا مع ماشا هدناه منه من الفهم الثاقب الصائب، وسرعة التصور وترويج ما يقول، والانتقال بخصمه من بحث إلى آخر بحيث لا يشعر إلى أن يخرجه عن المقصود.
وكان ﵀ عالي (^٥٩٤)، الهمّة (^٥٩٥)، متكلما في شهادته ثم في أحكامه، مع معرفة تامة في صنعة الشهود بحيث إنه إذا أراد أن ينقض حكما عرف من أن يفتح له بابا. مات يوم الأربعاء ثاني عشر صفر سنة اثنتين (^٥٩٦) وأربعين وثمانمائة بالقاهرة.