(^٨٣) بالتكبير-بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن محمد بن مسافر، الشيخ الإمام العالم قاضى القضاة شهاب الدين البلقيني ثم المحلى الشافعي الشهير بالعجيمى-مصغرا-.
ولد سنة سبع وستين وسبعمائة (^٨٤) في بلقينة (^٨٥)، وتوفى أبوه صغيرا فانتقلت به أمه إلى المحلة (^٨٦)، وحفظ بها القرآن وصلّى به، ثم انتقل إلى القاهرة إلى عمه شيخ الإسلام سراج الدين عمر، وحفظ «العمدة» و«المحرر» و«ألفية ابن مالك» وبعض «منهاج الأصول»، ومن أول التدريب إلى الفرائض، وكان يوصف بالدهاء والحيل وسوء السيرة في القضاء وغيره، لكن أخبرني الإمام (^٨٧) أنه ما أخذ عمالة في مال يتيم قط، والله أعلم. وبحث على شيخ (^٨٨) الإسلام في الفقه والأصول. وكذا على أخيه البهاء أبى الفتح رسلان، والنحو على سرحان المالكي والعلامة محب الدين محمد بن الجمال عبد الله بن هشام، وحضر دروس البرهان الأنباسى وناصر الدين محمد بن الميلق والبدر الطنبدى، وقرأ على الشهاب الأذرعى درسا واحدا، وقدم عليهم القاهرة واستمر
_________________
(١) في تونس والسليمانية «بصير».
(٢) في تونس والسليمانية «تسعمائة».
(٣) ذكرها رمزى في القاموس الجغرافي ج ٢ ق ٢ فقال: «بلقينة قرية مصرية قديمة، وذكر الإدريسى في نزهة المشتاق أنها بين محلة أبى الهيثم والمحلة الكبرى، ووصفها بكثرة البساتين والجنات والغلات، حافلة بالعمران».
(٤) المحلة الكبرى من المدن المصرية القديمة ذكرها أميلينوس في جغرافيته ص ٢٦٢ وقال اسمها الأصلي ديدوسيا Didouseya، هكذا قال رمزى في القاموس الجغرافي ج ٢ ق ٢، ووردت في كتب القبط باسم دقلا Dakalu - وفي أحسن التقاسيم للمقدسى باسم المحلة الكبرى وقد ذكرت بالتفصيل في نزهة المشتاق فقال: المحلة مدينة كبيرة ذات أسواق عامرة وتجارة قائمة. وأشار ياقوت إلى أن هناك بضع أماكن بمصر تعرف باسم المحلة. منها محلة دقلا وهي أكبرها وأشهرها وتقع بين القاهرة ودمياط. ثم عرفت باسم المحلة الكبرى لأنها أكبر البلاد التي بهذا الاسم وأشهرها وزاد عدد سكانها بسبب المحالج والمعامل الكبيرة الموجودة بها قديما وحديثا.
(٥) المقصود بالإمام هنا صاحب الترجمة.
(٦) المقصود بشيخ الاسلام هنا عمه السراج البلقيني فقد ذكر السخاوي أنه بحث عليه في الفقه وأصوله، راجع الضوء اللامع ج ١/ ٢٥٣.
[ ١ / ٥٢ ]
بالقاهرة إلى سنة أربع وثمانين فقدم (^٨٩) المحلة واشتغل بها في الفقه على قاضيها العماد البارينى، وناب في الحكم العزيز بها عن قاضى القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن سليم-بالتصغير-جد شيخنا المحب لله الإمام لأمه.
وناب بالقاهرة عن الجلال البلقيني والولي العراقي والشهاب ابن حجر بالصالحية وغيرها، وولى قضاء بلاد كثيرة من نواحي القاهرة واستمرّ إلى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، سوى تخللات يسيرة.
وصنّف في الفرائض كتابا سماه «الروضة الأريضة في قسمة الفريضة» قرظه له الجلال ابن عمه والجلال ابن خطيب داريا.
قال لي إنه رأى النبىّ ﷺ مرتين، إحداهما أنه رأى إلى جانبه اثنين فوقع في قلبه أن أحدهما أبو بكر الصديق والآخر إمامنا الشافعي، قال ثم إن النبي ﷺ أعطاني سيفا وأشار إلى شخصين هناك أعرفهما (ولم يسمهما)، لكن قال إنهما من الفقهاء، وقال: «قاتل هذين» فأخذت السيف وحملت به عليهما وقلت لهما: قولا أشهد ألا اله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وكررت ذلك فلم يقولا، ثم انتبهت. فاتفق بعد يومين أو ثلاثة أنى سمعت أن شخصا أسلم، وأنه يخاف أن يظهر الإسلام، فأرسلت إليه فأسلم على يدي، ثم تتابع من أسلم على يدي فبلغوا نيفا وثلاثين.
وقال لي إنه سمع على عمه السراج البلقيني والسراج ابن الملقن والمعين عبد الله قيّم الكاملية والمعزّ أبى اليمن بن الكويك، وأنهم أجازوا له مروياتهم، وقال إنه سمع «سيرة ابن سيد الناس» على الفرسيسى (^٩٠) و«صحيح البخاري» على عمه السراج.
_________________
(١) الواقع أن هذه كانت المرة الثانية التي يقدم فيها إلى المحلة، إذ كانت الأولى يوم انتقلت به أمه إليها بعد وفاة أبيه.
(٢) هو محمد بن حسن بن علي بن عبد الرحمن المصري الصوفي، وقد ذكر السخاوي ٧/ ٥٦٧ أن ابن حجر سمع عليه، لكن لم يرد ذكر هذا السماع عند ابن حجر حين ترجم له في إنباء الغمر، تحقيق حسن حبشي ٢/ ٣٢، ص ٢٨٣.
[ ١ / ٥٣ ]
اجتمعت به يوم الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بالمحلة بمنزله، فرأيته شيخا وقورا عنده عقل وتؤدة ودهاء وتودّد، وهو متّبع في كلامه وحكمه.
*** حكى لي أن شيخ الإسلام سراج الدين أبا حفص البلقيني حكى له قال:
«كان عم الشيخ عيسى بن عمر البسانى (^٩١) -يعنى جد شيخنا الشيخ عيسى- أراد أن ينتقل من سمنود (^٩٢) إلى محّلة (^٩٣) خلف، فنزل تلك الليلة يتوضأ من البحر فرأى الجنّ وهم يقولون:
ليت الغنى لو دام … وشملنا ملتام.
قرأت عليه الجزء السادس من فوائد أبى طاهر المخلص بإجازته من السراجين البلقيني وابن الملقن بأخباره، بإجازتهما من أحمد بن كشتغدى بن عبد الله الصيرفي، بإجازة البلقيني من الشمس محمد بن غالى بن نجم الدمياطي (ابن الشماع) بسماعهما من النجيب عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، بسماعه من حماد بن هبة الله بن حماد الحراني، بسماعه من أبى القاسم سعيد بن البناء، بسماعه من الشريف ابن نصر الدبيثى (^٩٤)، أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن المخلص، وهو جزء ضخم جدا أوله حديث ابن عمر في تفسير «يَوْمَ يَقُومُ ٩٥ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ»، وآخره «ولكنما في ذلك يرغبون».
_________________
(١) وردت هذه الكلمة في الأصل بلا تنقيط ولكنها في الضوء اللامع ١/ ٢٥٤ النفياى.
(٢) سمنود: من المدن المصرية القديمة. كما جاء في جوتييه في قاموسه فقال اسمها المصري تبنوتير Tebnoutir أو سبنتريت ومعناها الأرض المقدسة، واسمها الرومي سبنيتوس Sebennytos، واسمها الأشورى سبنوتى Zebenuti - والقبطي سمنوت - Xemn out، وكانت عاصمة المملكة المصرية زمن الأسرة الثلاثين. وقد وردت في كتاب البلدان لليعقوبي، وكذلك في المسالك والممالك لابن خرداذبه.
(٣) محلة خلف: كما جاء في رمزى: القاموس الجغرافي ج ٢ ق ٢ ص ٧٣ قرية قديمة وردت في قوانين ابن مماتي وفي تحفة الارشاد أنها من أعمال السمنودية، وقال آخرون إنها كانت تابعة أولا للمحلة الكبرى ولما أنشئ مركز سمنود سنة ١٩٥٣ ألحقت بها لقربها منها.
(٤) وردت في السليمانية بغير تنقيط وفي تونس «الزيني».
(٥) سورة المطففين، آية ٦.
[ ١ / ٥٤ ]
ثم توفى بالمحلة عصر يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثماني مائة، ودفن صبيحة الثلاثاء، وصلّى عليه ولده القاضي عمر.
وكان بجنازته (^٩٦) خلق كثير وأثنوا عليه خيرا.