ليس لها أصل في الشرع الحكيم، ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أصلها: أنَّ الخليفة المأمون: أبا العباس، عبدَ الله بنَ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي (خِلافتُه من أول سنة ١٩٨ هـ إلى ٢١٨ هـ) (^١) بَايع بالعَهْدِ (سنة ٢٠١ هـ) لِـ: علي بن مُوسى ــ الرِّضَى ــ بن جعفر بن محمد - الصادق - بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ - (ت ٢٠٣ هـ)، ونوَّهَ بِذكِرِه، ونبذَ السَّوادَ، واتَّخَذَ لهم شِعَارًَا أخضَرَا؛ فهاجَتْ بنو العباس، وخلَعُوا المأمون، ثم بايعوا عمَّه إبراهيم بنَ المهدي ثم انثنى عزمُه، وردَّ الخلافة إلى بني العباس.
فبقي الأخضرُ شِعَارَ الأشرَافِ من ذُرِّيةِ السِّبْطَين.
ثم اختَصَرُوا الثياب إلى قِطعَةِ ثَوبِ خَضَرَاءَ = شطفة خضراء، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِمْ؛ شِعَارًَا لهم، ثمَّ انقطعَ ذلكَ إلى أواخِرِ القَرنِ الثامِنِ الهجرِي.
ثمَّ في سنةِ ثلاثٍ وسبعين وسَبعِمئة (٧٧٣ هـ) (^٢) أمَرَ السلطانُ الأشرفُ: شعبان بنُ حسين بن الناصر محمد بن قلاوون الصالحي النجمي،
_________________
(١) انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٢٧٢ و٢٨٤).
(٢) ذكر المقريزي في «السلوك» أنه في شهر شعبان. وذكر السخاوي في «وجيز الكلام» أنه في رمضان. وذكر ابن إياس في «بدائع الزهور» أنه في جمادى الأولى.
[ ١ / ١٨٠ ]
سلطان الديار المصرية والشامية (ت ٧٧٨ هـ) وعُمُره (٢٤ سنة) (^١)
أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ = علامة خضراء = شطفة أي قطعة
_________________
(١) تنبيه: أطلت في ترجمته التالية، لعلاقة ذلك ببعض ما قيل في سبب أمره بالعلامة. السلطان الأشرف شعبان بن حسين: هو الثاني والعشرون من ملوك التركِ وأولادِهم بالديار المصرية. ولِد سنة ٧٥٤ هـ. تولَّى المُلْك يوم الثلاثاء (١٥/ شعبان/ ٧٦٤ هـ)، وعمْرُهُ عشر سنوات. وكان يتولى تدبير المُلك: الأتابك يلبغا العُمري الخاصكي؛ نظرًا لصغر سِنِّ الأشرَف شعبان. واستمر يلبغا في التدبير إلى أن ثاروا عليه مماليكه، وقتلوه في (٤/ ٧٦٨ هـ)، وفي قتلِ يلبغا عِبْرةٌ ذكرها ابن تغري في «النجوم الزاهرة». ويلبغا هذا، أثنى عليه في أول أمره السخاوي في «وجيز الكلام» (١/ ١٥٥) وذكر أن تنكر فيما بعد، وساءَ خلقه، وأساءَ إلى الآخرين، وكان سببَ هلاكه، وذكرَ مساوئه. توفي الأشرف يوم الاثنين (٥/ ١١/٧٧٨ هـ)، وعمره أربع وعشرون سنة. مُدة مُلْكِه: أربع عشرة سنة، وشهران، وخمسة عشر يومًا، وقيل: وعشرون يومًا، وقيل: وواحد وعشرون يومًا. وقد أجمع مَن ترجم للأشرف على الثناء عليه، وذِكر محاسنِهِ الجمَّة: أثنى عليه ابنُ العراقي (ت ٨٢٦ هـ) بقوله: (وكان فيه إغضاءٌ وحُلْم، وسعة صدر، بطئ الغضب جدًا، سريع الرضا، كثير الإنعام على حواشيه، معظِّمًا لأهل العلم، يُجالِسُهُم، ويستشيرهم في أموره، ويرجع لرأيهم. ومن حسناته: تبطيل مَكس المغاني. =
[ ١ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وما قتَلَهُ إلا طمَعَه في الدنيا وجمعها من كل وجهِ، وانهماكه على لذاتها). انتهى. وأثنى عليه ابن حجر العسقلاني، فذكر: أنَّ سيَرته حسُنَتْ، وحبَّتْهُ الرعيَّة إلى الغاية. وله مآثر حسنة كثيرة في الحرمين الشريفين، بإشارة مُدبِّر دولتِه: يلبغا. وانظر في ذلك: كلام الفاسي، وابن فهد. أثنى عليه المقريزي كثيرًا في كتابه «السلوك» قال: وكانت أيامه في هدوء وسكون، وأبطل مكسين شنيعين، وذكر أنه لم يكن فيه أذى، ولا تجبر وذكر أنه إلى التشبه بالنساء أميل منه إلى التشبه بالرجال. وذكر ابن تغري بردي في «النجوم»: أنه في عام (٧٦٩ هـ) قوي أمر السلطان الأشرف، وصار تدبير ملك الدولة إليه، وحبَّتْهُ الرعيةُ وهو من أجلِّ الملوك سماحةً وشهامة وتجملًا وسؤددًا، ونقل عن العيني قوله: لم يكن فيه ما يُعابُ سِوى حبِّهِ لجمع المال، وكان كريمًا وذكر أيضًا في «مورد اللطافة» أن أيامه قد حسُنَت حتى صار يُضرب بها المثل، وكان من محاسن الدنيا، كان ملكًا جليلًا، عارفًا، عاقلًا، شجاعًا، مقدامًا، كريمًا، هيِّنًا، ليِّنًا، محبَّبًا للرعية. ومحاسنه كثيرة. وذكر المترجمون أن أيامه كانت هادئة من الفتن، وجور العربان في الصعيد، وغيره، وجور التركمان، وغيرهم. قال السخاوي في «الوجيز»: ولقد كان - ﵀ - من حسنات الدهر، هيِّنًا، ليِّنًا، زائد الحلم والإغضاء، واسع الصدر، بطئ الغضب جدًا، سريع الرضى، محبًا لأهل الخير، مقرِّبًا لأهل العلم والفقر، يجالس العلماء ويستشيرهم في أموره، ويرجع لرأيهم، مقتديًا بالشرع، محسنًا =
[ ١ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لأقاربه وحواشيه، كثير الإنعام عليهم، بل كانت الدنيا في أيامه طيبة مطمئنةً، وهادَنَه سائرُ الملوك، ولو لم يكن له إلا إبطال المغاني .. ــ المكوس - ولم يكن فيه ما يُعابُ إلا أنه كان محبًا لجمع المال من كل وجه، منهمكًا على لذاته. وذكر ابن إياس في «البدائع» ثناء عاطرًا نحو ما قاله السخاوي، وختم بقوله: وفي الجملة: كان الأشرف من خيار بني قلاوون، وكان كفوًا للسلطنة. قلتُ: يُلحظ فيما سبق أن الجميع مُطبِقٌ على الثناء عليه، وعلى سيرته، وأما جمع المال فهذا دأب عامة الملوك، وقد فُطِر البشر على حب المال، ومادام أنه ألغى المكوس، وكان كثير الإحسان والصدقات فما المانع من حبه وحرصه على المال؟ ونِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ. وأما التشبُّه، فلم يذكره إلا المقريزي في «السلوك»، ولعله سجيته وطبيعته، بدليل ما ذُكر في وصفه من الهدوء وزيادة الحِلم والإغضاء إلخ وأما التنعم، فيقال فيه ما يقال في حرصه على المال. مع الأخذ في الاعتبار أنه قُتل - ﵀ - وعمره أربع وعشرون سنة، فمن كان في هذا العُمر ودونه، في عنفوان مراهقته وشبابه، وهو سلطان مسموع الكلمة في مصر والشام والحجاز، فطبعي أن يكون له ألوان من التنعم، ويكفيه أنه صالح، أثنى عليه جميع من ترجم له، ولم يُذكر له مثلبة واحدة حقيقية - ﵀ -. انظر ترجمته في: «الذيل على العِبَر في خبر من غبَر» لابن العراقي (١/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، «الدرر الكامنة» (٢/ ٣٤٢)، «العقد الثمين» للفاسي (٥/ ٧)، «المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي» لابن تغري بردي (٦/ ٢٣٣)، «النجوم الزاهرة» لابن تغري (١١/ ٢٤)، «مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة» لابن تغري بردي (٢/ ١٠٠)، =
[ ١ / ١٨٣ ]