وقد يُقال: يُطلَقُ على مصطلح أهل مصر: الشرَفُ أنواع: عامٌّ لجميع أهل البيت، وخاصٌّ بالذرية، فيدخل فيه الزينبية، وأخصٌّ منهُ: شَرَفُ النِّسْبَةِ، وهو مُختَصٌّ بذرية الحسن والحسين). انتهى كلام السيوطي. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) - ﵀ -: (وأما اسمُ الشَّرَفِ فليسَ هُو مِن الأسماءِ التي علَّقَ الشارعُ بِها حُكْمًَا حتَّى يكونَ وحدَهُ مُتلَّقَى مِن جِهَةِ الشارِع ثم ذكر معنى الشريف لغة واصطلاحًا، وقال:
فالشريفُ هُو مَنْ له الرئاسة والسلطانُ، لكن لما كانَ أهلُ البيتِ أحقُّ مِن أهلِ البيوت الأخرى بالشرَفِ؛ صَارَ مَنْ كانَ مِن أهلِ البيتِ يُسَمَّى شَرِيفًَا.
فأهلُ العِراق لا يُسَمُّونَ شَرِيفًَا إلا مَن كان من بني العباس، وكثيرٌ مِن أهلِ الشام، وغَيرِهم، لا يُسَمُّونَ شَرِيفًا إلا مَنْ كَانَ عَلَوِيًَّا. (^٢)
_________________
(١) «العجالة الزرنبية في السلالة الزينبية»، ضمن «الحاوي للفتاوي» (٢/ ٣٩).
(٢) وقال ابن تيمية في ردِّه على الرافضي في «منهاج السنة» (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩): ( ولَكِنْ قتَلَ الحجاجُ كثيرًا من أشرافِ العَرَبِ، أي: سادَاتُ العرب. ولما سمِعَ الجاهلُ أنه قتَلَ الأشرافَ ــ وفي لُغَتِهِ أنَّ الأشرافَ هُمْ: الهاشميون أو بعضُ الهاشميين، ففي بعض البلاد أنَّ الأشرافَ عندَهُمْ: ولَدُ العبَّاس، وفي بعضِها الأشرافُ عندَهُم: ولَدُ عَليٍّ ـ. ولفظُ «الأشراف» لا يتعَلَّقُ بِه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وإنِّما الحُكْمُ يتعَلَّقُ بِبَنِي هَاشِمٍ، كتَحرِيمِ الصَّدَقَةِ، وأنَّهمْ آلُ محمدٍ - ﷺ -، وغير ذلك). فائدة: إطلاق الأشراف في العراق على العباسيين، وفي الشام على العلويين، نتيجة التأثير السياسي؛ لأن قاعدة العباسيين في العراق (١٣٢ هـ - ٦٥٦ هـ)، وفي الشام نفوذ العبيديين (دولتهم ٣٥٨ هـ - ٥٦٧ هـ)، بدليل أن الاطلاق نفسه في مصر، لوجود قاعدتهم كما في نص ابن حجر. أفاد ذلك الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي في «تنبيه الحصيف» (ص ٢٩ - ٣٠).
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما أحكامُ الشريعةِ التي عُلِّقَتْ، فهي مذكورةٌ باسمِ النبي - ﷺ -، وباسمِ أهلِ بيتهِ، وذَوِي القُرْبَى، وهذه الأسماء الثلاثةُ تَتَنَاوَلُ جَميعَ بَنِي هاشم، لا فَرقَ بَينَ ولَدِ العبَّاسِ، ووَلَدِ أبي طالب، وغَيرِهم.
وأعمامُ النبيِّ - ﷺ - الذين بَقِيَتْ ذُرِّيَتَهُم: العباسُ، وأبو طالب، والحارثُ بنُ عبدالمطلب، وأبو لهب. فمَنْ كان من ذرية الثلاثة الأولى؛ حَرُمَتْ عليهم الزكاةُ، واستَحَقُّوا مِن الخُمُسِ باتِّفَاقِ.
وأما ذُرِّيةُ أبي لهب، ففَيْهِ خِلافٌ بَين الفقهاء؛ لِكَونِ أبي لهب خَرَجَ عَن بني هاشم لما نَصَرُوا النبيَّ - ﷺ - ومَنَعُوهُ ممَّنْ كان يُريدُ أَذَاهُ مِن قريش.
ودخَلَ مع بني هاشمٍ بنُو المطَّلِب وذكر حديث «إنما بنو هاشم وبنو المطلِّب شئٌ واحد».
وأفضلُ الخَلقِ: النبيُّونَ، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثمَّ الصالحون، وأفضلُ كُلِّ صِنْفٍ: أتقاهُم، كما قال - ﷺ -: «لا فضلَ لِعَرَبيٍّ عَلى
[ ١ / ١٩٣ ]
عَجَمِيٍّ، ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ، ولَا لِأَبْيَضَ عَلى أسوَدَ، ولا لِأسودَ على أبْيَضَ، إلا بالتَّقْوَى». هذا في الأصنافِ العامَّةِ.
وأفضَلُ الخلقِ في الطبَقَاتِ: القَرنُ الذين بُعِثَ فيهم رسولُ الله - ﷺ -، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُوْنَهُمْ.
وأما في الأشخاص: فأفْضَلُهُمْ النبيُّ - ﷺ -، ثمَّ إبراهيمُ - ﵇ -.
فتَبَيَّنَ أنَّ الشَّرَفَ لَيس لِبَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً، بل يَتنَوَّعُ بِحسَبِ عُرْفِ المخَاطَبِيْنَ، ومَقَاصِدُهُمْ.
وأمَّا المسمَّى بِهذا اللفظ، فيُقَالُ: مِن الأحكام ما تشتَرِكُ فيه قُرَيشٌ كُلُّهَا، نحو: الإمامة الكبرى
ومن الأحكامِ ما يختَصُّ بِبَنِي هاشِمٍ، أو بَنِي هاشمٍ معَ بَنِي المطَّلِبِ، دون سائر قريش، كالاستحقاقِ مِن خُمُسِ الغنائم، وتحريمِ الصدَقَةِ، ودُخُولِهم في الصلاة إذا صُلِّيَ عَلى آلِ محمَّدٍ، وثُبُوتِ المزِيَّةِ عَلى غَيرِهِمْ.
ومَنْ كانَتْ أمُّهُ قُرَشِيةً دُونَ أبِيهِ، لم يَستَحِقَّ الإمَامَةَ التِي اختُصَّتْ بِها قُريشٌ.
ومَن أُمُّهُ هاشِمِيَّةً أوْ غَيرَ فاطَمِيَّةٍ، وأبوه لَيس بهاشِمِيٍّ ولا مُطَّلِبِيٍّ؛ فَلا يَستحِقُّ مِن الخُمُس كما يستحقُّ بنُو هاشِم، وإنْ كانَ ينتَسِبُ إليهم نَسَبًَا مُطلَقًَا، فلَهُ نوْعُ امتِيَازٍ لِكَوْنِ أُمِّهِ مِنْهُم.
[ ١ / ١٩٤ ]
وأمَّا أَوْلَادُ العَتَرَةِ، فلَهُم مِن الاختصاصِ بقَدْرِ مَا لهُمْ مِن النَّسَبِ؛ لِكَونِ أحدِهِمْ أفضلَ مِنْ غَيرِهِمْ.
وبِكُلِّ حالٍ، فهذه الخصائصُ لا تُوجِبُ أنْ يكونَ الرَّجلُ بنفسِهِ أفضلَ مِن غيرِهِ لأجلِ نَسَبِهِ المجَرَّدِ، بل التفاضُلُ عِندَ الله بِالتقَوى كما قال - ﷺ -: «إنَّ آلَ بَنِي فُلَانٍ، لَيسُوا لِي بِأَولِيَاءَ، إنَّما وَلِيِّيَ الله، وصَالحُ المؤمنين».
فمَنْ كانَ في الإيمانُ والتقوى أفضلُ؛ كانَ عِندَ الله أفضلَ ممَّنْ هُو دُونَهُ في ذلك، وأولَاهُمْ بِرسولِ الله - ﷺ - وإِنْ كان غيرُهُ أقربَ نَسَبًَا مِنْهُ، فإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الولَايَةَ الإيمانِيَّةَ الدِّينِيَّةَ أعظمُ وَأوثَقُ صِلَةً مِن القَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ، والله أعلم). (^١)
ذكر ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) - ﵀ - أنه لُقِّبَ بِالشريف: كلُّ عبَّاسيٍّ بِبغداد وكذلك كُلُّ عَلَويٍّ بِمِصْر). (^٢)
علَّق عليه السخاوي في «الأجوبة المرضية» بقوله: (قلتُ: ولهم الطالبيون وهي: نِسبَةٌ لِأولادِ علي بن أبي طالب، وأخويه: جعفر الطيار،
_________________
(١) «مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية» للبعلي (ص ٧٢١ - ٧٢٤)، وعنه: في «المستدرك على مجموع الفتاوى» (١/ ١١٥). وقد نقل بعضَه: ابنُ مفلح في «الفروع» (٧/ ٣٨٢).
(٢) «نزهة الألباب في الألقاب» (١/ ٣٩٩) رقم (١٦٦٩).
[ ١ / ١٩٥ ]
وعقيل - ﵃ -، ومَيَّزُوا ذريةَ عَليٍّ من بَينهم بالعَلَوِيِّين، ويقال لِنقيبهم ببغداد: نقيب الطالبيين، كما أنه يُقال لنقيب العباسيين: نقيب الهاشميين. (^١)
وربما خُصَّتْ ذُرِّية عليٍّ من فاطمة - ﵉ - بالفاطميين، بل وُجِد من ذرية علي مِن غيرها مَن نُسب كذلك.
ومَيَّزوا ذُريةَ عقيل بالعقيليين، وذُريةَ جعفر بالجعفريين، ووصف الحافظُ عبدُالعزيز بنُ محمد النخشبي وغيرُهُ بعضَ المنسوبين إلى جعفر بالسَّيِّد.
ولهم الإسحاقيون، نسبة لإسحاق بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
والزيدون نسبة لزيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
والزينبيون لمن يكون من ذرية زينب ابنة سليمان بن علي، أم محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب.
وفي شرح ذلك طول
إلى أن قال السخاوي: والقصدُ: أنَّ شرَف مَن عدا ذرية الحسن
_________________
(١) قال أبو سعد السمعاني (ت ٥٦٢ هـ) - ﵀ - في «الأنساب» (٩/ ٧) في رَسم «الطالبي»: ( وجماعة من أولاد علي، وجعفر، وعَقيل، يُقال لهم: «الطالبي»؛ لانتسَابِهم إلى أبي طالب، وفيهم كثرةٌ، ولأبي الفرج الأصبهاني «مقاتل الطالبيين»، ونَقِيبُ العَلويين ببَغْدَاد يُقالُ له: نقيب الطالِبِيِّين، ويُقَال لِنقيب العبَّاسِيِّين: نقيب الهاشميين).
[ ١ / ١٩٦ ]
والحسين لا يوازي شرَفَهُم، وليس لهم التمييز بالشطفة (^١) الخضراء على رؤسهم الحادية، حيث كان العُرْفُ تخصِيصُها بأولادِ الحسن والحسين؛ لحصولِ الاشتباه.
وبالجملة: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: ١٣
ويُروى عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «آل محمد كل تقي». وسنده ضعيف.
وفي نوادر أبي العيناء أنه غضَّ من بعض الهاشميين، فقال له: أتغُضَّ منِّي وأنت تصلِّي عليَّ في كل صلاة في قولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؟ !
فقال: إني أريدُ الطيِّبِين الطاهِرين، ولستَ منهم (^٢». (^٣)
وُجِّه سُؤال إلى السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) - ﵀ - ونصُّه:
عن الأشراف الحسنية والحسينية أولاد علي مِن فاطمة الزهراء ــ رضوان الله عليهم ــ هل يُلحق بهم ذريةُ جعفر بن أبي طالب أخي علي في الشَّرَفِ والشَّطفَةِ الخضْرَاء، وقولهم: جدُّنا المصطفى؟ وكذا هل يلحق به العلوية أولاد علي من الحنفية؟
_________________
(١) تصحفت الكلمة في المطبوع في جميع المواضع الواردة فيه إلى «الشظفة».
(٢) وذكرها ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ١٦٠).
(٣) «الأجوبة المرضية» للسخاوي (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).
[ ١ / ١٩٧ ]