ولا يظهر أن هذا اللقب الاصطلاحي «الشريف» فيه إشارة إلى دِيْنِ أو عِلْمِ أو عَمَلِ المتلقِّبِ به، ولا تزكيةَ فيه، بل هو إشارَةٌ إلى النسَّبِ لا غَيْر. (^١)
التفريق بين السيد والشريف
علَّق عليه عبدالحميد الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) - ﵀ - في حاشيته على قول الهيتمي بأن الشريف لقب ذرية الحسن والحسين، قال: (لعلَّ هذا باعتبارِ زَمَنِهِ، وإلا فعُرْفُ الحِجَازِ وحَوَالَيه في زَمَنِنَا أنَّ الشريف الأول فقط، وأنَّ الثاني هو السيد). (^٢)
فدلَّ هذا على أنَّ مَنْ كان من ذُرِّية الحسَن يقال له: الشريف.
ومن كان من ذرية الحسين، يقال له: السيد.
_________________
(١) انظر بحثًا بعنوان: «مشروعية التلقُّبُ بالشريف» د. حاتم العوني الشريف. طبع ضمن كتابه: «إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية وبعض المسائل الشرعية» (ص ٥٨٣). وقد ردَّ على منع ذلك، وبيَّن فوائده. قلتُ: ومسألة اللقب هذا على الجواز فحَسْب، لا على المشروعية.
(٢) «تحفة المحتاج في شرح المنهاج - للهيتمي - ومعه حواشي الشرواني والعبادي» (٧/ ٥٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
وذكر يوسف النهباني (ت ١٣٥٠ هـ) - ﵀ - أن لقب الشريف والسيد يُطلقان على ذرية السبطين، في جميع بلدان المسلمين، قال: إلا في الحجاز، فإنهم اصطلحوا فيه على اطلاق الشريف على من كان حسَنيًا، والسيِّد على من كان حُسينيًا؛ للفرق بينهما). (^١)
وقد ذكر الشريف: محمد بن منصور بن هاشم آل عبدالله بن سرور: أنه في الحجاز لا يُطلَق لفظ «الشريف» إلا على مَن وَلِيَ إمرَةَ مكة من الحسنيِّين، فيقال: شريف مكة. وأما مَن لم يليها منهم فيُنعَتْ بـ «السيِّد»، وقد رأيتُ كثيرًا من وثائق الأشراف القديمة لا يُنعت فيها أحد بالشريف إلا إذا كان من أمراء مكة
وذكر أنَّ أشراف الحجاز جُلَّهم: حَسنيون، وأشراف المدينة: حُسينيون، وأشراف الطائف: جميعهم: نمَويُّونَ نِسبة لأمير مكة في القرن العاشر: أبي نُمي الثاني (ت ٩٩٢ هـ) وهو ابنُ بركات بنِ محمد من نَسْلِ: موسى الجون بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. (^٢)
_________________
(١) «الشرفُ المؤبَّدُ لآل محمد - ﷺ -» ليوسف بن إسماعيل النبهاني (ص ٥٢).
(٢) «قبائل الطائف وأشراف الحجاز» للشريف: محمد بن منصور بن هاشم آل عبدالله بن سرور (ص ٣٩ - ٤٠) بتصرف.
[ ١ / ٢١٨ ]
هذا، وقد أحسن وأجاد الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير - وفقه الله - في هذه المسألة فأفردها برسالة (^١)، ومنه استفدتُ النقول التالية:
ففي (ص ٣٧) ذكر عن المؤرِّخ أيوب صبري (ت ١٢٩٠ هـ) (^٢) أنَّ بعض المؤرخين يُفرِّقون بين اللقبين قال: (وفي هذا مغالطة تاريخية ظهرت في الأزمنة المتأخرة وذكر تنفيذ ذلك من قِبل من تأمَّرَّ على الحجاز حتى عهد قتادة بن إدريس
وخطَّأَ المؤرِّخُ هذا التفريق. (^٣)
وذكر الشيخُ: إبراهيم بن منصور الهاشمي قولَ القاضي: جعفر لبني المكي (ت ١٣٤٠ هـ) إنكار التفريق، وكذا الدِّهْلَوِي المكي (ت ١٣٥٥ هـ)، ومحفوظ الترمسي المكي (ت ١٣٣٨ هـ) قال: (وربما يقال في بعض البلاد للحسني: شريف، وللحسيني سيد، وكأنه اصطلاحٌ لا يشاحَحُ عليه، وإلا فكلٌّ منهما سيِّدٌ وشَرِيفٌ، كما لا يَخفى). (^٤)
_________________
(١) «تنبيه الحصيف إلى خطأ التفريق بين السيد والشريف» للشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير.
(٢) في كتابه «مرآة جزيرة العرب» (ص ٢٦٥).
(٣) «تنبيه الحصيف إلى خطأ التفريق بين السيد والشريف» (ص ٣٧).
(٤) «تهيئة الفكر بشرح ألفية السير» (مخطوط ورقة ٢٢٦) أفاده: إبراهيم بن منصور في «تنبيه الحصيف» (ص ٣٨).
[ ١ / ٢١٩ ]
وأفاد الشيخ: إبراهيم بن منصور: أنه: شاع هذا التفريق عند جماعة من الناس مِن ذاك الزمان إلى يومنا هذا، وقد خرَج مِن نطاق الاصطلاح الذي لا مشاحَّةَ فيه، إلى إنكار إطلاق لقَبِ الشريف علَى ذُرِّية الحسين السِّبْط، والسيد على ذرية الحسن السِّبْط، والعكس.
والتفريقُ خطأٌ، لا مستنَدَ له، وذكرَ الأدلةَ على خطئه، فليُراجَع لمريد الاستزادة.
وقد أورد كلام أهل العلم بالتاريخ والسِّيَر والنَّسَبِ والشواهد الحجَرِيَّة، والصُّكوكِ والحجج أنه لا فرقَ بين لقَبِ السيِّدِ والشريف.
وذكر أنَّ لقب السيد مُقدَّم على لقَب الشريف عند أهل اليمن وشرق وجنوب السعودية، والعراق، وأقاليم في الشام، وأقاليم في مصر، وبلاد العجم.
ولقبَ الشريف مقدم على لقب السيد في: الحجاز، ونجد، والمغرب، وأقاليم في مصر، وأقاليم في الشام، وغيرها.
قال: ولعل هذا العُرْف المناطقي من أسباب التفريق في إطلاق اللقبين. (^١)
_________________
(١) «تنبيه الحصيف» للشيخ: إبراهيم الهاشمي (ص ٣٩).
[ ١ / ٢٢٠ ]