١ - أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
٢ - أهداف الموضوع.
٣ - حدود البحث.
٤ - عدد الأحاديث.
٥ - خطة البحث.
٦ - منهج البحث.
٧ - تنبيهات.
[ ١ / ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللهم لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مِلءَ السماءِ، ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ مِن شيءٍ بَعْدُ، أهلَ الثناءِ والمجْدِ، أحقُّ ما قال العَبدُ، وكلُّنا لكَ عَبْدٌ، لا مانِع لما أعطَيتَ، ولا مُعطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ.
اللهُمَّ لكَ الحمْدُ على الإعَانةِ والتوفيقِ، والسدادِ والتمامِ، ياربِّ ما بي مِن نعمة أو بأحَدٍ من خَلْقِكَ فمَنْكَ وحدَكَ لا شَرِيكَ لك، فلَكَ الحمدُ ولَكَ الشُّكْرُ.
اللهمَّ صلِّ على محمد، وآل محمَّدٍ، كما صَلَّيتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنكَ حميدٌ مَجِيدٌ.
وبارِكْ عَلى محمَّدٍ، وآل محمَّدٍ، كما بارَكْتَ عَلى إبراهيم، وآلِ إبراهيم، إنَّك حميدٌ مَجِيدٌ.
أما بعد
فإنَّ إيمانَ المرءِ لا يكْمُلُ حتَّى يكونَ النبيُّ - ﷺ - أحبَّ إليه من ولَدِهِ ووَالِدِهِ والنَّاسِ أجمعين، وحتَّى يحبَّه أكثرَ مِن حُبِّهِ لِنَفْسِهِ - ﷺ -.
وفي الفطرة: مَن أحبَّ شيئًا أحبَّ مَن يوافِقُهُ، وما يُوافِقُهُ، ومِن هذه الفطرة الغريزية مَع التوجيهِ الشرعي بالعناية بآل البيت، تكمُل لآل البيت
[ ١ / ٧ ]
النبوي المحبةُ إجلالًا وتعظيمًا وتقربًا إلى الله تعالى.
وعلماءُ أهل السنةِ والجماعةِ لِسانٌ واحد لا يتردَّدُ ولا يتذبذب، بل يُفصح ببيان، ويرفع بيانه بلا مواربة: أنَّ مِن عقيدة أهل السنة والجماعة محبةَ آل البيت النبوي وموالاتهم، ومعرفةَ فَضْلِهم، وحقِّهم على الأمة، وشَرَفِهم بانتسابهم للنبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وتحقيقِ وصيَّة النبيِّ - ﷺ - بهم.
لذلك حفلَتْ كُتبُ اعتقادِ أهلِ السُّنَّة والجماعة ببيان حَقِّ آل البيت، وما يجب تجاههم.
وجاءت المؤلفات تترى - قديمًا وحديثًا - في بيان فَضْلِهم ومَنَاقِبِهم عامة فيهم، وخاصة في عدد من أفرادهم. (^١)
وما عَلِق كُرْهُ آلِ البيت بقَلْبِ أحَد إلا ساءَتْ حالُه، وتتابع الخزيُ عليه؛ لِنَقْصِ اعتقادِهِ، وتناقضِ ادِّعَائِه محبةَ النبيِّ - ﷺ -، ومخالَفَتِهِ له في وصَايَتِهِ بالعناية بآلِ بيتِهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لذا نرَى انقراضَ الفِرْقَةِ المرذولة المبتدعة «النواصب» من زمن بعيد (^٢)، ولم ينبت لهم نابتة منذ قرون متطاولة إلى زماننا هذا - ولله الحمد ـ.
فالمسلمون أجمعون يحبُّونَ النبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ويحبُّونَ آلَ بيتِهِ، وتتهَلَّلُ أسارِيرُهُم، وتَطيبُ مجالِسُهُم بِذكرِهِمْ - ﵃ -.
_________________
(١) سيأتي بيان ذلك في التمهيد: المبحث الرابع.
(٢) سيأتي بيان ذلك في التمهيد: المبحث الثالث.
[ ١ / ٨ ]
ومِن أقربِ آل بيتِ النبيِّ - ﷺ - إليه: أولادُه، وأزواجُه - ﵃ -.
ولآلِ بيتِ النبيِّ - ﷺ - خصائصُ ومزايا، وفضائلُ عِدَّة، حَفِظَها أهلُ السنة والجماعة روايةً ودرايةً ورِعايةً وعملًا؛ استجابةً لوصية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بآل بيته، كما قال - ﷺ -: «أُذَكِّرُكم الله في أهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللهَ في أهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي الحديث». (^١)
ااومن أهل بيته، بل من أقربهم إليه: ذؤابةُ (^٢) نساءِ هذه الأمة، بضعَتُهُ (^٣)
_________________
(١) «صحيح مسلم» حديث رقم (٢٤٠٨)، وسيأتي بيان معناه في التمهيد: المبحث الثالث.
(٢) ذؤابة كل شئ أشرفه وأعلاه. «النهاية» لابن الأثير (٢/ ١٥١)، «القاموس المحيط» (ص ٨٤).
(٣) وصف «البضعة النبوية» ليس خاصًا بفاطمة، بل كل أولاده - ﵃ - بضعة منه - ﷺ -، وإنما ورد وصف فاطمة كثيرًا على لسان المترجمين بالبضعة النبوية، لورودها في حديث جاء لمناسبة - كما سيأتي في مبحث غيرته - ﷺ - عليها ـ، ولا ينبغي التزام ذلك، فإنَّ قصر هذا الوصف عليها، يشابه قول مَن يدَّعي أن ليس للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الأولاد إلا فاطمة فحسب، وبقية البنات: (رقية، وزينب، وأم كلثوم) ربائبه لا بناته! ! وهذا كذب على كذب من كذب - وسيأتي بيانه ـ. وإنَّ الوصف الوحيد التي انفردت به عن أخواتها هو «السيدة»، لأنها سيدة نساء هذه الأمة، ونساء أهل الجنة - ﵂ -.
[ ١ / ٩ ]
التي قال عنها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَنْ أغْضَبَهَا فَقَدْ أغْضَبَنِي». (^١)
فهي «سيدة نساء العالمين في زمانها، البَضْعَةُ النَّبَوِيَة، والجهَة المصطَفَوِيَّة، أُمُّ أَبِيْهَا، بنت سَيِّدِ الخلقِ رسُولِ الله - ﷺ - وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُحبُّها، ويُكرِمُهَا، ويُسِرُّ إليها، ومناقبُهَا غَزيرَةٌ، وكانَت صَابِرةً، ديِّنَةً، خَيِّرَةً، صَيِّنةً، قَانِعَةً، شَاكِرَةً للَّهِ ..». (^٢)
قال الحافظ أبو بكر الآجُرِّي (ت ٣٦٠ هـ) - ﵀ -: (اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أنَّ فاطمة - ﵂ - كَريمةٌ على الله - ﷿ -، وعلى رسولِه - ﷺ -، وعند جميع المؤمنين، شَرَفُهَا عظيم، وفَضْلُهَا جَزيل، النبيُّ - ﷺ - أبوها، وعليٌّ - ﵁ - بَعْلُهَا، والحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة ولداها، وخديجة الكبرى أمُّهَا، قد جمع الله الكريم لها الشرف من كل جهة، مُهْجَةُ رسول الله - ﷺ -، وثمرةُ فؤادِه، وقُرَّةُ عَيْنِهِ - ﵂ -، وعَن بَعْلِهَا، وعن ذُرِّيَّتِها الطيبة المباركة، قال النبي - ﷺ -: «فاطمة سيِّدةُ نساءِ عالَمِها».
_________________
(١) «صحيح البخاري» حديث رقم (٣٥١٠).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١١٨).
[ ١ / ١٠ ]
وقال - ﷺ -: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وآسية امرأة فرعون». (^١)
إنَّ هذه السيدةَ الكريمةَ صاحبةُ «الأصل الشريف، والنسب المنيف، والفطرة الطاهرة، في الأسرة الفذَّة، قرآنٌ يُتلى، وحديثٌ نَبَويٌّ يتردَّدْ، وقُدوةٌ عليا، وتَربِيةٌ نبوية، وبيئةٌ جادَّة صارمة، ورسالةٌ سامية عالية هي بنتُ النبي - ﷺ - في النسب الزَّكِيِّ، وبنتُه في الشمائل والأخلاق البهيَّة، وجلائلِ الأعمال الرضيَّة، كانت - ﵂ - كما وصفها أبطن الناس بها عائشة - ﵂ -، صورةٌ مقاربة لأبيها - ﷺ - في كلامِه، وحَديثِه، وجِلْسَتِه، ومِشْيَتِهِ، وهَدْيِه، وسَمتِهِ، ودَلِّهِ، وسكينَتِه، ووقارِه، في شمائل ندية، وأوصاف عطرة زكية.
كانت فاطمة - ﵂ - نعم البنت في نشأتها، ونعم البنت في آدابها وأخلاقها وأعمالها ومواقفها مع أبويها، ونعم الزوجة في رعايتِها وقيامِها بما يجب عليها، وصبرِها على ضيق العيش مع زوجها، ونِعْمَ الأم في عنايتها بأولادها وتربيتِهم على أخلاق أبويها، فكانوا خيارًا من خيار.
عاشَتْ عابِدَةً، زاهِدةً، صابِرةً، راضِيةً، خدَمَتْ أبيها، وشهدت لحظاته
_________________
(١) «الشريعة» (٥/ ٢١١٣).
[ ١ / ١١ ]
كلها من قبيل البعثة إلى موته - ﷺ -». (^١)
رأت - ﵂ - المصائب والمتاعب على أبيها - ﷺ -، ورأت صبرَه ومجاهدتَه وعبادتَه، ابتُلِيَت بفقد أخواتها، وهِجرَتِها من بلدها، رأتْ ثِقَل الأمانة وهمَّ الرسالة على أبيها، مع قلة المعيشة، والرضا باليسير.
غادرَتْ الدنيا قريبًا من منتصف العمر (٢٩ سنة)، لم يُتَحْ لها في حياة أبيها أن تُحدِّثَ وتُعلِّمَ، ولم تمكث بعد وفاة أبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلا يسيرًا (ستة أشهر)، وغادرت الدنيا، بمواقف وهدي وكفاح يقتدى به، لذا كانت سيدة نساء أهل الجنة، وكانت مثالًا للنساء على الصبر واليقين - ﵂ -.
ومع مكانتها المرعية عند المسلمين، إلا أن بعض أهل الأهواء والبدع ممن يدَّعِي محبة آل البيت أكثرَوا من التصنيف في فضائلهم، وذِكْرِ ما استقرَّ في عقيدتهم من العداء بين الصحابة وآل البيت، ورواية المكذوبات من الأخبار عما جرى على فاطمة - ﵂ -، وبالأخص ما رووه زورًا من ظلم أبي بكر، وإهانة عمر بن الخطاب لفاطمة - ﵃ -، وما فتئوا يذكرون افتخارًا عنايتهم بآل البيت، ويستدلون على أهل السُّنَّةِ بمَرويات وردَتْ في كتب أهل السنة والجماعة، ولو كان أهلُ السُّنَّة والجماعة أوردوها في كتب الموضوعات. (^٢)
_________________
(١) «فاطمة الزهراء» لعبدالستار الشيخ (٣٥٧ - ٣٥٨). بتصرف
(٢) من النماذج ما ذكره محقق كتاب «مسند فاطمة - ﵍ -» للرافضي التويسركاني، ط. دار الصفوة في بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، (٤٥٤ صفحة) حيث زعم عدم اعتناء أهل السنة والجماعة بأحاديث فاطمة، مع أنه في مقدمته وفي الكتاب الذي يحققه لم يذكرا حديثًا واحدًا مسندًا عن فاطمة، بل كل أحاديثه ينبو عنها العقل، ولا يثبتها نقل ولو بأسانيد متصلة عندهم في كتبهم. وللمزيد انظر في كتابي هذا: الباب الثاني: الفصل الرابع: المبحث الأول. وقد ذكر الرافضي: محمد كاظم القزويني في كتابه «فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد» (ص ١٠ - ١١) ذمًا لأهل السنة لافتعال الأحاديث؛ للنيل من فاطمة! ! وهذا كذب مرسل، فإنه لا يُعرف أحدٌ عَلِمَ الحق وأقامَه فيما يتعلق بآل البيت - ومنهم فاطمة - إلا أهل السنة والجماعة، وانظر ما سيأتي في التمهيد: المبحث الثالث.
[ ١ / ١٢ ]
ولأهمية إفرادِ موضوع فاطمة - ﵂ - بالتأليف، تقريرًا للصحيح، وبيانًا للباطل والردئ، رغبت في كتابة هذه المعلمة الشاملة تجمع مسند فاطمة، والمرويات في سيرتها، وفضائلها - ﵂ -، وقد اخترتُ لها العنوان التالي:
فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
سيرتها ــ فضائلها ــ مسندها - ﵂ -
دراسة حديثية تاريخية موضوعية (^١)
_________________
(١) أصل كتابي هذا: رسالة دكتوراه، سجَّلتُها في قسم السُّنَّةِ وعُلومِها، في جامعة الإمام محمد بن سعود في «الرياض» بتاريخ (١٤/ ٥/ ١٤٣٢ هـ)، وقدَّمتُها إليه بتاريخ (١٥/ ٧ /١٤٣٨ هـ)، ونُوقِشَتْ يوم الخميس (١٧/ ٤/ ١٤٣٩ هـ)، وهذه النسخة التي بين يديك فيها إضافات كثيرة جدًا - ولله الحمد والفضل والمِنَّة والشكر ـ. كانت الرسالة بإشراف الشيخ أ. د. عبدالرحمن بن عبدالكريم الزيد - حفظه الله ـ. هذا، وقد كنتُ أعددتُ مخطط الموضوع كاملًا؛ في عام (١٤٢٧ هـ) فأصبح ارتباطي بالموضوع أربع عشرة سنة - والحمدُ للهِ ربِّ العالمين ـ.
[ ١ / ١٣ ]