قال المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) - ﵀ -: (وفي هذا الشهر - أي شهر شعبان - ألزم الأشرافَ بأن يتميَّزُوا بعلامةٍ خضرَاءَ في عمائمِ الرجال، وأُزُر النساء (^١)، فعملوا ذلك واستمروا ثم ذكر بعض النظم في هذا. (^٢)
وذكر ابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ) - ﵀ - أن رسم السلطان أن تكون العلامة الخضراء فوق العمامة تكون بارزةً للخاصة والعامة، نظرًا في حقهم وتعظيمًا لقدرتهم، ليقابَلوا بالتعظيم ويمتازوا من غيرهم
وذكر ابن تغري الأبيات التي قيلت، ثم قال: وهذا مما يدلُّ على حُسْنِ اعتقادِ الملكِ الأشرَفِ هذا - ﵀ -، بآل بيت النبوة، وتعظيمِه لهم). (^٣)
وقال ابن تغري بردي - أيضًا ـ: (وفى سنة ثلاث وسبعين المذكورة، رسَمَ السلطانُ الملكُ الأشرَفَ أنَّ الأشرافَ بالديار المصرية، والبلاد الشامية، كلَّهم يَسِمُونَ عَمائِمَهُم بِعَلامَةٍ خَضْرَاءَ بارِزَةٍ لِلخاصَّةِ والعَامَّة؛ إجلالًا لحقِّهم، وتَعظيمًا لِقَدْرِهِم؛ لِيُقَابَلُوا بِالقَبُولِ والإقبَالِ، ويمتازُوا عَنْ
_________________
(١) لم أجد ذِكْرَ علامةِ النساء هذه إلا عند المقريزي في «السلوك»، وهو أمرٌ أستغربه وأستبعده - والله أعلم ـ، وقد أشار إلى التمييز ابن إياس كما سيأتي (ص ٢٣٦) ولعله من المقريزي.
(٢) «السلوك لمعرفة دول الملوك»، للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ) (٣/ ١/ ١٩٩) في حوادث سنة ٧٧٣ هـ.
(٣) «المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي» لابن تغري بردي (٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ١ / ٢٢٩ ]
غَيرِهِم مِنَ المسلِمِين. (^١)
فَوقَعَ ذَلكَ، ولَبِسَ الأشرافُ العلائمَ الخُضْرَ، التي هِيَ الآنَ مُستَمِرَّةٌ عَلَى رُؤوسِهِم وذكر بعض المقطوعات الشعرية في هذا، ثم قال:
قلتُ: وبِهَذهِ الفَعْلَةِ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ اعتِقَادِ الملِكِ الأشْرَفِ المذكور في آلِ بَيتِ النُّبُوَّةِ، وتَعظِيمِهِ لهم؛ ولقَدْ أحدَثَ شَيئًا كانَ الدَّهْرُ محتَاجًَا إليهِ، ولَا ألهَمَ اللهُ تعالى الملوكَ ذلكَ مِن قَبْلِهِ (^٢)؛ ولله دَرُّ القَائِلِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلآخِرِ»؟ !). انتهى (^٣)
قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) - ﵀ -: (والأشرفُ هو: شعبان بن حسين بن الناصر محمد قلاوون.
ويُقال في سبب كونها خضراء: أنَّ المأمون أرادَ أن يجعلَ الخلافةَ في بني
_________________
(١) هذا هو الصحيح في السبب الداعي لأمر الملك شعبان، أما ما ذكرَهُ المؤرِّخ التونسي: ابنُ الخوجه (ت ١٣٦٣ هـ) أن الآمر هو يَلبغا، والقصد من ذلك استمالة الأشراف والعامة لِلمَلِكِ، نظرًا للاضطرابات السياسية؛ فليس صحيحًا - كما سيأتي بيانه في نهاية هذه المسألة ـ.
(٢) الأمر أهون بكثير مما وصَف، ولا يُعَدُّ مِن المفاخر، فَلَيْسَ مِن هَدْيِ المسلمين تميز طائفة عن غيرهم بلباس، ولو كان خيرًا لفعله أصحاب القرون المفضَّلَة.
(٣) «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» (١١/ ٥٦ - ٥٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فاطمة، فاتَّخذَ (^١) لهم شعارًَا أخضَرَا، وألبَسَهُمْ ثِيَابًَا خُضْرًَا، (^٢) ثم انْثَنَى عَزْمُهُ عن ذلك؛ ورَدَّ الخلافةَ إلى بني العباس فبقي ذلك شعارًَا للأشراف العلويين، فاختصروا (^٣) الثيابَ إلى قِطعةٍ من ثوبٍ أخضَر يُوضَعُ على عمائهم شعارًَا للعَلويين، والآن استَمرَّ ذلك في بلاد مصر والشام، وقد كانت ذرية العباس يتميزون بالشطفة (^٤) السوداء على ما أخبرني به مَن شاهده، ثم بَطَلْ). (^٥)
قال السيوطي (ت ٩١١ هـ) - ﵀ - ضمن مسائل رسالته «العجالة الزرنبية في السلالة الزينبية»:
الوجه الثامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟
والجواب أن هذه العلامة ليس لها أصل في الشرع، ولا في السُّنَّة، ولا كانَتْ في الزمن القديم، وإنما حدَثَتْ في سَنَةِ ثلاث وسبعين وسبعمئة بأمر الملك الأشرف: شعبان بن حسين.
_________________
(١) تصحف في المطبوع إلى: فاتَّجَه.
(٢) ذكر السخاوي ــ أيضًا ــ في «وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام» (١/ ١٨٦) في شهر رمضان، مُيِّزَ الأشراف بعلائم خُضْرٍ في عمائمهم؛ تشريفًا لهم، لِيُنْزِلَهُم الناسُ منازِلَهم، وقال الشعراء في ذلك.
(٣) تصحف في المطبوع إلى: فاختضروا.
(٤) تصحف في المطبوع إلى «الشظفة».
(٥) «الأجوبة المرضية» (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦) وذكرَها في مواضع أخرى، كما في النقل عنه في لقب الأشراف.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره، ثم أورد قولَ ابنِ جابر الأندلسي، والأديبِ محمدِ بنِ إبراهيم الدمشقي
ثم قال السيوطيُّ - ﵀ -:
وحَظُّ الفَقيه في ذلك إذا سُئِلَ أنْ يقول: لُبْسُ هذه العَلامَةُ بِدْعَةٌ مُباحَةٌ، لا يُمْنَعُ منها مَن أرادَها مِن شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، ولا يُؤمَرُ بِها مَنْ تَركَهَا مِن شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ.
والمنْعُ مِنْهَا لأَحَدٍ مِن النَّاس كَائنًا مَنْ كانَ، ليسَ أمرًَا شَرعِيًَّا؛ لأنَّ الناسَ مَضْبُوطُونَ بأَنْسَابِهِمْ الثَّابِتَةِ، ولَيْسَ لُبْسُ العَلامَةِ مما وَرَدَ بِهِ شَرْعٌ، فَيُتَّبَعَ إباحَةً ومَنْعًَا.
أقصى ما في الباب أنَّه أُحدِثَ التَّمْيِيزُ بها لهؤلاءِ عَن غَيرِهِمْ، فمِن الجَائِزِ أنْ يُخَصَّ ذلكَ بِخُصُوصِ الأبناء المنتَسِبِينَ إلى النبيِّ - ﷺ -، وهُم: ذُرِّيةُ الحسَنِ والحُسَين، ومِنَ الجائزِ أنْ يُعَمَّمَ في كُلِّ ذُرِّيَّتِه وإنْ لم ينْتَسِبُوا إليه كالزَّيْنَبِيَّةِ، ومِنَ الجائزِ أنْ يُعَمَّمَ فِي كُلِّ أهْلِ البَيْتِ كبَاقِي العَلَوِيَّةِ، والجَعْفَرِيَّة، والعَقِيلِيَّةِ، كلٌّ جَائِزٌ شَرعًَا.
وقد يُستَأَنَسُ فيها بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (سورة الأحزاب، آية ٥٩)؛ فقد استدَلَّ بِها بعضُ العُلَماء على تخصيص أهلِ العِلْمِ بِلِبَاسٍ
[ ١ / ٢٣٢ ]