فأجاب وأطال، وسمَّى الجوابَ: «الإسعاف بالجواب عن مسألة الأشراف» (^١) ومما قال فيه:
الأشراف لجميع أولاد النبي - ﷺ - فلو ثبت انتساب أحدٍ لعبدالله بن جعفر من جهة مَن أعقب مِن أولاده مِن زينب سبطة رسولِ الله - ﷺ -، ثبتَ له بذلك شرفٌ عظيم، لكنه دون الشرف الحاصل للمنسوبين إلى الحسن والحسين، لفضلهما على زينب.
وذكر أنَّ العلويين المنسوبين إلى علي من غير زوجِه فاطمة، وكذا الهاشميين، لهم شرف لكنه دون شرف ذرية الحَسنين.
وذكر أن ابن حجر يصف بالأشراف بعض المنسوبين إلى جعفر بن محمد بن علي، وكذا آل العباس بن عبدالمطلب.
وذكر أنه قد اختُلِفَ في انتساب بني البنات إلى أبي أمِّهِمْ، هل هو عامٌّ أو خاصٌّ بهِ - ﷺ -؟
ونقلَ السخاوي عن عدد من العلماء أجوبتهم في مسألة الشرف، والشطفة، فقال:
_________________
(١) وهو في «الأجوبة المرضية» للسخاوي (٢/ ٤١٦ - ٤٢٨) رقم (١٠٦)، وقد قال عنه بعد زمن، كما «الأجوبة المرضية» (٢/ ٧٩٧) رقم (٢٠٩) أن جوابَه «الإسعاف » قد انتشر، وكتبه عنه بعضُ المفتين.
[ ١ / ١٩٨ ]
وكتب من الشافعية على هذا السؤال الشيخُ السراج العبادي (^١) ما نصه: الشرف المعروف المصطلح عليه الذي ينسب إلى رسول الله - ﷺ - خاص بأولاد الحسن والحسين سبطي رسول الله - ﷺ - وذلك لضرورة نفاسة النسب الشريف، فإن الأولاد إنما يُنسَبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلما لم يكن للنبي - ﷺ - ولَدٌ ذكر توسَّعُوا في نسبة أولاد ابنته إليه؛ محافظةٌ على بقاء هذا النسب ولشرفه على غيره من الأنساب. زاده الله شرفًا وتعظيمًا.
وأما أولادُ جعفر، فليسوا من أولاد أحد من بنات رسول الله - ﷺ -، وأما عبد الله بن جعفر، فإنه زوج ابنة بنت رسول الله - ﷺ - فنسبة زوجته إلى أبيها، ففات المعنى المقصود، والعلَوية وغيرهم، وإن كان لهم شرف النسبة إلى هاشم جد النبي - ﷺ -، فقد فاتهم النسبة إلى النبي - ﷺ -، فليس لأحدٍ لُبسُ العلامة، ولا هذه النسبة، بل يقتصر بها على محلها المتعارف المقرر، ولا يعدل عن ذلك ولا يقاس عليه غيره، فليس للقياس في مثل هذا مجال والحالة هذه.
_________________
(١) عمر بن حسين بن حسن، أبو حفص السراج العبادي (ت ٨٨٥ هـ). ترجمته في «الضوء اللامع» (٦/ ٨١).
[ ١ / ١٩٩ ]
والفخر عثمان الحسيني (^١) ونصُّه: أما الشرف الذي لأولاد السيد علي بن أبي طالب من فاطمة - ﵃ - أجمعين، فلا يُوازيه شرف، وقد قال النبي - ﷺ - للحسن بن علي: «إنَّ ابني هذا سيِّد» فأثبتَ له السيادةَ وأضافَه إليه بالبنوة، وليس هذا لأحدٍ غيرِ النبي - ﷺ - أعني أولاد البنات ينسبون إليه دون غيره، وهو من هذا الحديث الصحيح.
وهُم المختصُّون بالأوقاف على الأشراف، وهم الذين جرى العرف بتميزهم بالشطفة الخضراء على رؤوسهم، وأما غيرُهم من أولاد بقية بناتِه، فجدُّهم المصطفى - ﷺ - بلا شك، غير أنهم لا يوازون أولادَ عليِّ بنِ أبي طالب من فاطمة - ﵃ - أجمعين فيما تقدم.
وأمَّا (^٢) تميزهم بالشطفة الخضراء، فليس لهم ذلك، إذْ العُرْفُ يُخالِفُه فحَمْلُهُمْ لها يُوهِمُ أنهم من أولاد الحسن أو الحسين - ﵃ -، ويُخشى من ذلك اشتهارهم بها، فربَّما نُسِيَ الأصلُ ونُسِبُوا بسببِ ذلك إلى الحسن أو الحسين، وذلك خطر عظيم. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) عثمان بن عبدالله بن عثمان، أبو عمرو الحسيني الشافعي (ت ٨٧٧ هـ). ترجمته في «الضوء اللامع» (٥/ ١٣١).
(٢) في المطبوع: (ومما تقدم تميزهم )، وهو خطأ مطبعي فيما يظهر لا تستقيم معه العبارة.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وكتبَ من المالكية البرهان اللقاني (^١) ما نصه: الشرف لأولاد علي - ﵁ - من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، فيَخرُجْ أولاد علي مِن غيرها، وأولادُ أخواتها من غير علي، فلَيسَ لأحَدٍ منهم أنْ يدَّعِي شَرَفًَا، لكن يجوز لأولاد أخوات فاطمة وذرِّيَتِهمْ أن يقولوا: جدُّنَا، ولا يدخلونَ في وَقْفِ الأَشْرَافِ إلا بتَنصِيصٍ مِن الواقِف، ولا يجوز لأحَدٍ ممَّنْ ذُكِرَ حَمْلُ العلامةِ الدَّالَةِ عَلَى الشَرَفِ.
وكتب بجانب خطِّهِ مِن المالكية أيضًَا: أحمد بن حسين الحسيني القاضي بالقرب من جامع الفكاهين: جوابي كما أجاب به الشيخ برهان الدين المذكور أعلاه، أبقاه الله للمسلمين وحفظ به الدين آمين). (^٢) انتهى المراد نقله من رسالة السخاوي: «الإسعاف بالجواب عن مَسألَةِ الأشرَاف».
وللسخاويِّ جوابٌ آخر - جاء بعد زمن من رسالته «الإسعاف »
قال السخَاويُّ (ت ٩٠٢ هـ) - ﵀ -: سُئلتُ عن مَن زعمَ انتسَابَه إلى الزبير بن العوام، ومَيَّزَ نفسَه بِشَطْفَةٍ خَضراءَ كآلِ النبي - ﷺ -، أَيُمْنَعُ أمْ لا؟
_________________
(١) إبراهيم بن محمد القاضي المالكي (ت ٨٩٦ هـ). ترجمتُه في: «الضوء اللامع» للسخاوي (١/ ١٦١).
(٢) «الأجوبة المرضية» للسخاوي (٢/ ٤١٩ - ٤٢٨).
[ ١ / ٢٠١ ]
فالجواب: أما الزبيرُ بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى أخي عبد مناف ابني قصي الذي يجتمع هو ورسولُ الله - ﷺ - فيه، مع كونهِ ابنَ عمِّةِ النبي - ﷺ -، لأنَّ أمَّهُ هي صفيةُ أختِ حمزةَ والعباسِ بَنِي عبدِالمطلب - ﵃ -، فمَنْ صحَّتْ نِسبَتُه إليه - ﵁ - بالطريقِ المعتبرِ؛ فَلَهُ بذلك فَخْرٌ، لِأنه حوارِي رسولِ الله - ﷺ - وابنُ عمته، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة - ﵃ -، ويَنتَفِعُ المنتَسِبُ بِذلِكَ إنْ صَحِبَهُ القِيَامُ بِأمْرِ الدِّينِ، ولم يَكُنْ فيهِ مِن المتهَاوِنِينَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات (١٣).
ويُقالُ لِلْمُنْتَسِبِ كذلك: زُبَيري وقُرَشِي، ولكِنَّ التميُّزَ بالشَّطْفَةِ الخضراء إنِّما اختُصَّ عُرْفًَا بذُرِّيَّةِ السِّبْطَيْنِ، رَيحَانَتَي النبي - ﷺ -، أعني: الحسنَ والحُسَين ابنَي فاطمة الزهراء - ﵃ -؛ حتَّى إنَّ مَن كان مَنْسُوبًَا لأُختِهما زَينبَ ابنةِ فاطمة أيضًا، مع كَونِها سِبْطَةَ الرسولِ - ﷺ -، لم يُمَيَّزْ بِذلكَ، فَضْلًا عَن غيرِهِ، لِكونهما - أعني الحسن والحسين - أفضلَ من زينبَ بِلا شَك؛ لامتيازهما بكَثِير من الخصوصيات.
وإذَا ثَبتَ العُرْفُ بِذَلكَ انضَافَ إليه اختِصَاصُهُمْ بالأوقاف المرْصَدَةِ لِلأشرَافِ، فَلا يَحْسُنُ التعَدِّي بِالشَّطْفَةِ لِغَيرهِم، ممَّنْ انتسَبَ إلى الزبير، ولَا إلى غَيرِهِ، ممن هُو أقربُ مِنهُ نَسَبًَا، كالعباس عمِّ النبيِّ - ﷺ - وصِنْوِ أَبِيهِ، الذي ولَدُهُ البَحْرُ عبدُالله تَرجمان القرآن هُوَ جَدُّ الخُلَفَاءِ، مع وصفِ
[ ١ / ٢٠٢ ]