وَجِيْعًَا، ويُشْهَرُ، ويُحبَسُ طَويلًا حتَّى تَظْهَرَ تَوبَتُهُ؛ لأنَّه استِخْفَافٌ بِحَقِّ الرسولِ - ﷺ -».
قلتُ - السخاوي ـ: ورَحِمَ الله مَالِكًَا، كيفَ لَو أدرَكَ مَن يتَسَارَعْ إلى ثُبوتِ ما يَغْلِبُ على الظَنِّ التوقُّفُ في صِحَّتِهِ مِن ذلك بِدُونِ تَثبُّتٍ، غيرَ مُلَاحِظٍ مَا يتَرتَّبُ عَلَيهِ مِن الأحكام، غَافِلًا عَن هذا الوعيد الذي كانَ مُعِينًَا عَلى الوقوعِ فِيهِ، إمَّا بثُبُوتِهِ، أو بِالإعذَارِ فيهِ؛ طَمَعًَا في الشيءِ التَّافِهِ الحَقِيرِ، قائلًا: «الناسُ مُؤتَمَنُونَ عَلى أنْسَابِهِمْ» (^١)؟ !
_________________
(١) = وأصحابِه. «الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -» تحقيق: عبده كوشك (ص ٨٨١). وهو كذلك في ما نقله السبكي في «السيف المسلول على مَن سب الرسول» (ص ٤٢١) أما مَن حذف كلمة السب، وجعله في الانتساب فقط - كما عند السخاوي هنا - فقد ذكره: القرافيُّ في «الذخيرة» (١٢/ ٣١)، وعلا الدين الطرابلسي الحنفي في «معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام» (ص ١٩٢) - مع أنه أورده في أبواب مَنْ سَبَّ النبيَّ - ﷺ - وأزواجَه وآلَ بيته ــ، وعليش في «منح الجليل شرح مختصر خليل» (٩/ ٢٤١)، والعدوي في حاشيته على «شرح مختصر خليل للخرشي» (٨/ ٧٤). والظاهر أن عبارة الإمام مالك في مَن سبَّ آل البيت، وليس في الانتساب، مع خطورتِه أيضًا.
(٢) قولٌ مَنسوبٌ إلى الإمام مالك، وغيرِه. ولم أجدْهُ مسنَدًَا. وقد بَيَّضَ له الحافظُ ابنُ حجَر في «أجوبته» (ص ٤٦). =
[ ١ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٥/ ٢٥٨) رقم (١٢٤١) - ط. الميمنة ـ: (حديث «المؤمن مؤتمن على نسَبِه» بيَّض له شيخنا في بعض أجوبته، وأظنه من قول مالك أو غيره، بلفظ: «الناس مؤتمنون على أنسابهم»). وعن السخاوي: ملا قاري في «الأسرار المرفوعة»، والعامري في «الجد الحثيث في بيان ماليس بحديث»، والعجلوني في «كشف الخفاء»، وغيرهم. قال القرافي في «الذخيرة» (١٢/ ١١٥) في أحكام القذف: (فرعٌ: قال في «الموازية»: إن قذفَ الغريب فعليه إقامة البينة على نسَبِهِ، إلا أن يطول الزمان وينتشر عند الناس ويُعرَف به، فيُحَدَّ قاذِفُهُ. قال مالك: والناسُ عَلى أنسَابِهِمْ لِأنَّهُم حَازُوهَا، وعُرِفُوا بِهَا، كالأمْلَاكِ. ومَن ادَّعى غيرَ ذلكَ كُلِّفَ البيِّنَةَ وإلا حُدَّ ). قال الشيخ: بكر أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» (ص ٥٣٧): (هذا لا أصل له مرفوعًا، ويذكر علماء التخريج أنه من قول مالك وغيره من العلماء، وإلى هذه الساعة لم أقف عليه مسندًا إلى الإمام مالك أو غيره من العلماء، فالله أعلم). وأحال الشيخ بكر - ﵀ - في بيان معناه إلى كتابِه «المواضعة» = في «فقه النوازل» (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، وفيه يقول: (وقولهم أيضًا: الناس مؤتمنون على أنسابهم. وهو لا أصلَ له مرفوعًا، ويُؤثر عن الإمام مالك - ﵀ - تعالى. وهَهُنا فائدةٌ يحسُن تقيِيدُها والوقوفُ عليها، وهو: أنَّ هذا ليس معناه تصديقَ مَنْ يدَّعِي نسَبًَا قَبَلِيًَّا بِلا بُرْهَان، ولَو كانَ كَذلِكَ؛ لاختَلَطَتْ الأنسَابُ، واتَّسَعَتْ الدَّعْوَى، وعاشَ الناسُ في أمْرٍ مَريجٍ، ولا يَكُونُ بَينَ الوَضِيعِ والنَّسَبِ الشَّرِيفِ إلا أنْ يَنْسِبَ نَفْسَهُ إليه؛ وهذا مَعنَى لا يُمْكِنُ أنْ يقبَلَهُ العُقَلاءُ، فَضْلًا عَن تَقْرِيرِهِ. إذا تقَرَّرَ هذَا، فمَعْنَى قَولِهم: «الناس مؤتمنون على أنسابهم» هُو قَبُولُ مَا لَيْسَ فِيهِ جَرُّ مَغْنَمٍ =
[ ١ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أو دَفْعُ مَذَمَّةٍ ومَنْقَصَةٍ في النَّسَبِ، كدَعْوَى الاستِلْحَاقِ لِوَلَدِ مَجهُولِ النَّسَبِ، والله أعلم). انتهى. وقيَّدَ العلماء هذه العبارة بمَن لم يدَّعِ الشرف، ومن لم يجرَّ على نفسه مالًا، ومالم يُنازَع، ومالم يكن من وراء ذلك دفع مذمَّةٍ في النسَب. وهذا كله مع إعمال قواعد علم النسَب، ومنها: الشهرة والاستفاضة، مع البيِّنَة الصحيحة على هذه الدعوى. فهي قرينة من القرائن لا قاعدة فضلًا أن تكون قاعدةً مطَّرِدَةً. ولا تعني هذه المقولة ترك بيان حال الأنساب الدخيلة، وتصحيح دعوى النسب، بل العلماء على مَرِّ العصور على العمل بذلك تأليفًا وبيانًا وتصحيحًا، ونهيًا عن المنكر في ادعاء المرء نسبًا ليس منه. انظر في بيان هذه المقولة رسالةً قيِّمةً بعنوان: «وقفة مع القول المشهور: الناس مؤتمنون على أنسابهم» للشيخ البحاثة النسابة: أبي هاشم، إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير، ط. دار الصديق في الجبيل، ط. الأولى ١٤٣٦ هـ، ثم طبعها مع ستِّ رسائل في علم النسب، في دار خير جليس، ط. الأولى للمجموع ١٤٣٩ هـ، وهي الرسالة الرابعة فيه. وللشيخ إبراهيم الهاشمي كُتبٌ عديدة في العناية بأنساب الأشراف خاصة، طُبعت مفردة، ثم جمعَها في المجموع السابق ذِكْرُه، وهي:
(٢) «الإفاضة بأدلة ثبوت النسب ونفيه بالشهرة والاستفاضة، وفيه حكم الاستشهاد بوثائق البيع والشراء في تثبيت الأنساب».
(٣) «كشف الأسباب الحاملة على ادِّعاء الأنساب الفاضلة».
(٤) «تنبيه النبيل إلى وجوب كشف النسب الدَّخِيل».
(٥) «وقفة مع القول المشهور: الناس مؤتمنون على أنسابهم. =
[ ١ / ٢٠٦ ]