سئل ابن حجر الهيتمي المكي الصوفي (ت ٩٧٤ هـ) - ﵀ - عن الحكمة من اختصاص الشرف بذرية فاطمة دون سائر بنات النبي - ﷺ -؟
والموقف ممن ادَّعى الشرَف وهو ذو أخلاق وأعمال سيئة، فهل يُصدَّق في دعواه، وكيف تتصور هذه النسبة الشريفة وعليه مخالفات؟ السائل من اليمن.
فأجاب بما ملخصه: أن الحكمة لأنَّ عليًا تزوَّجَ فاطمةَ في السماءِ قبلَ أن يتزوجها في الأرض! ! (^١) وأنها سيدة نساء أهل الجنة، وتمييزها بتسميتها الزهراء إما لعدمِ كونها لا تحيض من غير عِلَّة، فكانت كنساءِ الجنة! وإما كونها على ألوان نساء الجنة! أو لغير ذلك.
فهذه المذكورات ونحوهما مما امتازت به من الفضائل لا يبعد أن تكون هي الحكمة في بقاء نسلها في العَالَمْ أمْنًَا لَهُ من عُمومِ الفِتَنِ والمحَنْ! !
وذكر أن الشَّرفَ لا يختص بأولاد فاطمة، وأن المحققين ذكروا أنه لو
_________________
(١) أعتذر إلى القارئ؛ لإيراد مثل هذه الترهات والأباطيل، وما أوردتها إلا لجمع ما في الباب، وليعلم المحبُّ لدينِه مبلغَ عِلْم الصوفية. وبخصوص الهيتمي - ﵀ - وعفى عنه، انظر رسالة ماجستير مميزة جدًا بعنوان: «آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية - عرضٌ وتقويم في ضوء عقيدة السلف ـ» للشيخ د. محمد بن عبدالعزيز الشايع - ط. دار المنهاج في الرياض ـ.
[ ١ / ٢٠٨ ]
عاشَ نَسْلُ زينب من أبي العاص، أو رقية، وأم كلثوم من عثمان، لكان لهما الشرف والسيادة ما لنسل فاطمة - ﵃ -
وقال: (ثُمَّ إذا تقرَّرَ ذلكَ، فمَنْ عُلِمَتْ نِسْبَتُهُ إلى آلِ البيت النبوي، والسرِّ العَلَوِيِّ، لا يُخرِجُهُ عن ذلكَ عَظيمُ جِنَايَتِهِ، ولا عَدَمُ دِيَانَتِهِ، وصيَانَتِهِ.
ومِن ثَمَّ قال بعضُ المحقِّقِين: مَا مِثال الشريفِ الزاني، أو الشارب، أو السارق مثَلًا، إذا أقمْنَا عليهِ الحدَّ إلا كأميرٍ أو سُلطَانٍ تلَطَّخَتْ رِجْلَاهُ بِقَذَرٍ، فغَسَلَهُ عنهما بعضُ خَدَمَتِهِ. ولقد بَرَّ في هذا المثالِ وحقَّقَ.
وليُتَأمَّلْ قولَ الناس في أمثالهم: الولَدُ العَاقُّ لا يُحْرَمُ الميراث. نَعَمْ الكُفْرُ إنْ فُرِضَ وُقُوْعُهُ لأَحَدٍ مِن أهلِ البيتِ - والعياذ بالله - هو الذي يَقطَعُ النِّسْبَةَ بَين مَنْ وقَعَ مِنهُ، وبَيْنَ شَرَفِهِ - ﷺ -.
وإنِّما قُلْتُ: إنْ فُرِضَ؛ لأنَّنِي أكادُ أنْ أجزِمَ أنَّ حَقِيقَةَ الكُفْرِ لَا تَقَعُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصَالُ نَسَبِهِ الصَّحِيحِ بِتِلْكَ البَضْعَةِ الكَرِيْمَةِ - حاشاهمُ الله مِن ذلك ـ.
وقدْ أحالَ بعضُهُمْ وقُوعَ نَحْوِ الزِّنَا أو اللواط ممَّنْ عُلِمَ شَرَفُهُ، فما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ؟ !
هذا كلُّهُ فِيمَنْ عُلِمَ شَرَفُهُ كما تقرر.
وأمَّا مَن يُشَكُّ في شَرَفِهِ، فإنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بوجَهٍ شَرْعِيٍّ؛ وَجَبَ عَلى كلِّ أحَدٍ تعظيمَهُ بِما فِيهِ مِن الشَّرَفِ، والإنكارِ عَلى مَا فِيهِ مِنْ الخِلالِ التي تُنْكُرُ شَرْعًَا، لما تقرَّر أنه لا يَلزَمُ مِن الشرَفِ عَدَمُ الفِسْقِ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وإنْ لم يثبُتْ نسَبُهُ شَرعًَا، وادَّعَاهُ ولم يُعْلَمْ كَذِبُهُ؛ تَعَيَّنَ التوقُّفُ عَن تَكذِيْبِهِ؛ لأنَّ الناسَ مَأمُونُونَ عَلى أنسَابِهِمْ، فليُسَلَّمْ لَهُ حالُه، ولا ينْبَغِي لِلإنسانِ أن يتحَسَّى سُمًَّا وهُو قادِرٌ على السلامة، وإذا كان المنْسُوبُونَ لِرجُلٍ صَالِحٍ يتوقَّاهُمُ الناسُ، ويُعَظِّمُونَهُمْ، لِأجْلِ ذلك، فما بَالُكَ بالمنسوبين إلى سيِّد الخلقِ كلِّهم - ﷺ - وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وحشَرَنَا في زمرة مُحِبِّيْهِ، ومُحِبِّي آلِهِ وأصحابِهِ، آمين). (^١) انتهى جوابه.
قلتُ: في السؤال والجواب ملحوظات عديدة: السائل والمجيب يرون العصمة لآل البيت من الوقوع في الكبائر، ويستحيل وقوعهم في الكفر!
وهذا محض ادِّعاء، مثَلُ آل البيت في هذا مثَلُ غيرهم سواء، وأقرب الناس إلى النبي - ﷺ - لم يثبت إسلامهم، ومن ذلك والداه، وبعض أعمامه، فليس لآل البيت عصمة من الكفر، والكبائر.
ولا يصح دعوى اختصاص أولاد فاطمة بالشرف، لأنَّ الأشرافَ هُم بنو هاشم، ولأن عقب بنات النبي - ﷺ - قد انقطع، فلم يبق إلا عقب فاطمة، فأُطلِق عليهم الشرف بعد القرون المفضلة، فهو إطلاقٌ حَادِثٌ، وهُم أهلُ شرَفٍ في النَّسَبِ بلا شك.
ودعواه الزواج في السماء مبني على أكاذيب - ستأتيك في مبحث زواجها ـ.
_________________
(١) «الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيتمي المكي (ص ٢٩٢ - ٢٩٤) رقم (١٢٨).
[ ١ / ٢١٠ ]
وتلقيبُها بالزهراء ليس من النبي - ﷺ - وإنما هو محدَثٌ في القرن الرابع الهجري.
ولا يثبت شئ أبدًا في دعواه أنها لا تحيض!
وأما ادِّعاء أنَّ بقاءَ نسْلِ فاطمة في العَالَم أَمَنَةٌ لَهُ من عُمومِ الفِتَنِ والمحَنْ! !
فيُقال: أين الدليل على ذلك؟ ومِثل هذه مِن خرافات الرافضة، وإن بينهم وبين الصوفية نسَبٌ ومصاهرة في مثل هذه الخزعبلات ونحوها.
وأما ذِكرُهُ المثال وإعجابه به، بأن الشريف إذا أقيم عليه الحد .. إلخ هذا يستوي فيه الشريف وغيره، فالحدود كفارات، فلا معنى للمثال.
ووقوع الشريف نسبًا في الكبائر لا يخرجه عن كونه شريف نسب، وإن كان وضيع عمَل، ولا يَلزَمُ مِن الشرَفِ عَدَمُ الفِسْقِ. فالعبرة بالتقوى، والحديث هنا عن النسَب المجرَّد فقط.
وفي هذه الجزئية أثبتَها الهيتميُّ، وهو فيها مصيب.
أما مالم يثبت نسبُه شرعًا وِفْقَ القواعد والضوابط والقرائن المعروفة عند أهل النسب، فإنه يُنكر على مدَّعيه، ويعاقَبُ على ذلك.
نعم يُتوقف في حالة كونِه أتى بعدَد من البينات والقرائن الصحيحة التي لا ترتقي لدرجة الإثبات، فيمكن النفي دون جزم، ويهاب المرءُ في ذلك.
[ ١ / ٢١١ ]
الخلاصة أن الهيتمي أصاب في مسألتين: الشرف لا يختص بأولاد فاطمة، فلو قُدِّر أن لبنات النبي - ﷺ - الثلاث عقب؛ لكان لهم شرف كأولاد فاطمة.
وأن الشرف لايلزم منه عدم الفسق.
وما عدا هاتين الجملتين، فأغلاط وتخاليط - والله أعلم ـ.
هذا، وقد ذكر القلْقَشندي القاهري (ت ٨٢١ هـ) - ﵀ - نقلًا من كتاب «عرف التعريف» أن لقب الأشراف مختصٌّ بأبناء فاطمة من علي - ﵄ -. (^١)
وذكر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤ هـ) - ﵀ - أن: (الشريف المنتسب من جهة الأب إلى الحسن أو الحسين؛ لأن الشرَف وإنْ عَمَّ كلَّ رَفِيعٍ، إلا أنه اختُصَّ بِأولاد فاطمة - ﵃ - عُرفًَا مُطَّرِدًَا عِنْدَ الإطلاق).
علَّق عليه عبدالحميد الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) - ﵀ - في حاشيته: (لعلَّ هذا باعتبارِ زَمَنِهِ، وإلا فعُرْفُ الحِجَازِ وحَوَالَيه في زَمَنِنَا أنَّ الشريف الأول فقط، وأنَّ الثاني هو السيد.
وقوله: «إلا أنه اختص بأولاد فاطمة إلخ» هؤلاء هُمْ الذين جُعِلَتْ لهم العِمَامَةُ الخضراء؛ لِيمتَازُوا بِها، فَلا يَلِيقُ لِغَيْرِهِم مِن بقية آلِه - ﷺ -
_________________
(١) «صبح الأعشى في صناعة الإنشاء» (٦/ ١٧).
[ ١ / ٢١٢ ]
لُبْسُهَا؛ لأنه تزيٍّ بِزِيِّهِمْ فَيُوْهِمُ انتسَابَهُ لِلحَسَنِ أو الحُسَين، مع انتفاءِ نَسَبِهِ عنهما، ويُمنَعُ مِن ذلك فاعِلُهُ). (^١)
ونقل المناوي (ت ١٠٣١ هـ) - ﵀ - أنهم عدُّوا من خصائص آل المصطفى - ﷺ - إطلاق الأشراف عليهم. والواحد: شريف.
ونقل عن السيوطي في «الخصائص الكبرى» قوله: (بأن الأشراف ولدُ: علي، وعقيل، وجعفر، والعباس، كذا مُصطلَحُ السَّلَفِ؛ وإنَّما حدَثَ تخصيصُ الشريف بِولَدِ الحسن والحسين في مصر خاصة من عهد الخلفاء الفاطميين). (^٢)
ذكر الشيخ: أحمد سلامة القليوبي (١٠٦٩ هـ) - ﵀ - في «حاشيته» أن: السيد الشريف: المنتسبون لأحد السبطين؛ لأنه المتعارف عند أهل مصر، والشريفُ أصالةً لقَبٌ لِكُلِّ مَنْ تحرُمْ عليه الزكاة من أهل البيت.
ثم نقل كلام السيوطي - السابق - عن لقب الأشراف. (^٣)
_________________
(١) «تحفة المحتاج في شرح المنهاج - للهيتمي - ومعه حواشي الشرواني والعبادي» (٧/ ٥٤).
(٢) «فيض القدير» للمُنَاوي (١/ ٥٢٢). ولم أجد النقل في مطبوعة «الخصائص الكبرى»، وفيه عن آل البيت (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧).
(٣) «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٣/ ١٧٠).
[ ١ / ٢١٣ ]
وذكر د. حسَّان الباشا أن لقب الشريف وُجِد مقرونًا برجل من آل البيت في بعض النقوش، فوُجد نقش كُتب عام ٢٩٥ هـ، وفي القرن ٥ هـ، و٦ هـ، وأن هذا اللقب استمرَّ سِمَةً في «مصر» على أبناء فاطمة، في عصر الأيوبيين، وعصر المماليك.
وذكر أنه أُضيف لقبُ الشريف في عهد المماليك لما يُضاف إلى السلطان من أنواع المكاتبات: عهد شريف، مرسوم شريف، تقليد شريف، توقيع شريف
وكذا اصطُلِح على إطلاق لقب السيد على أولاد علي، وكثيرًا ما يُلحق به لقب الشريف
وقد أطلق لقب السيد على القرامطة الذين يدَّعون الانتساب إلى علي!
وصار لقب السيد لقبًا عامًا على أصحاب السلطان الحقيقي في «مصر» منذ بدر الجمالي حتى نهاية عصر المماليك.
وكان يطلق أيضًا على أمراء الجيوش في العصر العبيدي الفاطمي). (^١)
_________________
(١) «الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار» د. حسان الباشا، عن لقب الشريف: (ص ٣٥٧ - ٣٥٩)، ولقب السيد: (ص ٣٤٥ - ٣٤٩).
[ ١ / ٢١٤ ]