العلمُ لا يُملُّ منه، طالَ أم قَصُر، وزيادةُ الخيرِ خَيرٌ، وكما نحتاج إلى الاختصار في العلوم - وهو متوفِّرٌ كَثيرٌ قَريبٌ - نحتاج أيضًا إلى الإطالة - وما أكثر الموضوعات التي لم تُشبَع
_________________
(١) ، وثمَّةَ فَرقٌ وَاضِحٌ بدَهِيٌّ بين: ١. المعْلَمَة = الجَمهرة = الموسوعات المرجعية. ٢. المتون التعليمية. ٣. الشروحات برُتَبِهَا المختلفة طُولًا وقِصَرًَا. ٤. المختصرات لهدف معين. ٥. الموضوعات التي يتجاذبها أهل البدع والأهواء. ٦. وغيرها. مَن خلط الجميعَ وجعلَه في مَسارٍ واحد، وطلب فيها التأليف المختصر جدًا، فإنما دلَّ على نَقْصٍ في التصور، وضَعفٍ في العِلْمِ، ودُنُوٍّ في الهِمَّة، وعَدَمِ معرفةِ حاجةِ المكتبةِ الإسلامية، وكأنه لم يُمارس يومًا بحثًا ما، ويعالج موضوعًا لم يجد فيه ما يروي الغليل! ! ويزداد جهلًا إذا قال: الناس لا يقرأون! !
[ ١ / ٣٢ ]
وعذري في التوسُّعِ: أني لم أجد كتابًا حديثيًا أو تاريخيًا علميًا محررًا وافيًا عن فاطمة - ﵂ -؛ فأريده مرجعًا شاملًا مغنيًا، وإن خرج بذلك من كونه كتابًا مقروءًا من الجلد من الجلد إلى كونه معلمةً يُرجع إليها للاستزادة والبحث. (^١)
وسبَبٌ آخَرُ أنَّ «كُلَّ مَن يتصدَّى لِتأليفِ كتابٍ في مَوضُوعٍ غير مُشبَعٍ؛ تمتلِكُهُ محبةُ التوسُّعِ فيه، فلا يَنفكُّ يستزيدُ من مُلتقطاته ليُذكِي قبَسَهُ، ويَمُدَّ نفسَه، فيَرضى بما يجدُ رِضَى الصَبِّ بالوَعْدِ، ويقول زِدْنِي من حديثِكَ يا سعْدُ، غيرَ هيَّاب لِعاذِل، ولا مُتَطَلِّبِ معذرةَ عاذِر، وكذلك شأنُ الولَعِ إذا امتلَكَ القلْبَ». (^٢) إيْ والله.
إنَّ موضوعًا له مداخلُ عديدة، وتفاصيلُ: عقدية، وحديثية، وتاريخية، وغيرها، وله ارتباطٌ ببعض الفرق والمذاهب، لَهُوَ مَوضُوعٌ يَستبحِرُ البحث فيه، ويلتاث على مؤلِّفِهِ ترتيب مسائله؛ خاصةً أن عقدها لم يُنسج على منوال سابق، يهتدي بهديه، ويتمم نقصه، ويُحكِم ترتيب عَرْضِهِ.
تتمادَى موضوعاتُه حتى إن مطلبًا واحدًا - لم يُعنون له - ضمن مَبحَثٍ
_________________
(١) سيصدر ــ بإذن الله تعالى ــ كتاب مختصر بعنوان: «المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -» في مجلد واحد.
(٢) «التحرير والتنوير» للطاهر عاشور (١/ ٤٦).
[ ١ / ٣٣ ]
في فَصْلٍ دَاخِلَ بَابٍ، يتعَبُ فيه الإيجاز، ويضيقُ عنه الوقت، وتتجاذبه فنونٌ مختلفة، يمد الاستقصاء هذا المطلب فيكون مبحثًا، ويمدُّ - أيضًا - كلَّ فصل فيجعله بابًا، ثم يجعل من كل فَصلٍ كتابًا مفردًا.
الموضوع يَفرضُ نفسَه، لا يفرضُه قلَمُ كاتِب، ولا ادِّعَاءُ مُدَّعٍ.
تاللَّهِ إنَّ في موضوعِ فاطمة لَشجنًا (^١) وهيبةً تُلجِمُ القلمَ أحيانًا (^٢)، وتمدُّهُ أحايين كثيرة، وفيه حَمِيَّةٌ وغَضَبٌ مِن كَذِبٍ كَثيرٍ، وغلط قبيح، تواردته كتب الرافضة بإجماع، وتلبَّسَتْ بِه ــ للأسف - بعضُ الأقلام المنتسبة للسُّنَّةِ، من: الصوفية، والأدباء، والمثقفين المعاصرين.
ومن التحدُّثِ بنعمة اللهِ - ﵎ -، والإشارة لمنته ولطفه وإحسانه - جل وعلا - أني وجدت التوفيق والتيسير والخير والبركة في تأليف هذه المعلمة الشاملة، نعَم لا ريبَ أنَّ العلمَ الشرعي كلَّه بَرَكَةٌ، لكن موضوع السيدة الجليلة فاطمة - ﵂ - بركةٌ طيبة - لاشَكَّ فيها - رأيتُها ولمستُها إلخ
_________________
(١) المرادُ هنا: الحُبُّ، والحاجَةُ. انظر: «الزاهر» للأنباري (٢/ ١٨٩).
(٢) إن محبة فاطمة - ﵂ - والشوق لمعرفة البيت النبوي، والرغبة الجامحة لبيان الصحيح وتنقية ما نسب إليها؛ أبطلَت مفعول الحكمة القائلة: إذا ملكت النفسَ الهيبةُ، كلَّ القلَم، وقلَّ الكَلِم.
[ ١ / ٣٤ ]
واعلَمْ - رعاك الله - أنه لا حولَ لي في هذا الكتاب ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم، فالحمدُ للهِ حَمدًا حَمدَا، والشكرُ له شُكْرًَا شُكْرَا. (^١)
وصلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله، وصحبِهِ، ومَن اتَّبَعَهم بإحسان.
كتبه:
إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن المديهش
مدينة الرياض (٣/ رمضان /١٤٤٠ هـ)
للتواصل: ibrahim.almdehesh@gmail.com
_________________
(١) ثم الشكر الجزيل الوافر للدار الخيرية الوقفية المباركة: «دار الآل والصحب الوقفية» في الرياض على حرصها وقبولها نشر الكتاب - جزاهم الله خيرًا، وبارك في جهودهم ـ، وأخصُّ منهم مديرَ الدار الشيخ الفاضل: خالد بن عبدالله بن ناصر آل غيلان، لحرصه الدؤوب، وجُهودِه المباركة، ومتابعته المباشِرَة المستمرة لإجراءات طبع الكتاب ماليًا، وإداريًا - أحسن الله إليه، وبارَك في عَمَلِهِ وعُمُرِهِ وأهْلِهِ، وجزاه خيرًا كثيرًا ـ.
[ ١ / ٣٥ ]