سبق ذِكرُ قولِ ابنِ الأثير، وابنِ حجر: أنَّ أول الناس إسلامًا:
أم المؤمنين خديجة - ﵂ -.
وقد اختلف العلماء بعد ذلك بين أبي بكر وعلي، أيهما أول. (^١)
قال الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ) - ﵀ -: (ولم يُذكر بناتُه - ﷺ -؛ لأنه لا شَكَّ في تمسُّكِهِنَّ قبل البعثة بهديِه وسيرتِه، وقد روى ابنُ إسحاق عن عائشة: لما أكرمَ الله نبيَّه بالنبوَّةِ، أسلَمَتْ خديجةُ وبناتُه
وقال الزرقاني: والحاصلُ أنه لا يحتاجُ للنصِّ على سبقهن للإسلام؛ لأنه معلوم هذا إلخ. (^٢)
وذكر السفَّاريني (ت ١١٨٨ هـ) - ﵀ - أنه لما أكرمَ الله نَبِيَّه بالنُّبُوَّةِ، آمنَتْ به خديجةُ، وبناتُه، فصَدَّقْنَه، وشَهِدْنَ أنَّ ما جاءَ بِهِ الحقُّ، ودِنَّ بِدِيْنِه.
وقال أيضًا: (وقد عُلِمَ أن السيدةَ زَيْنَب لم تتَّصِف يومًا بغير الإسلام، فإنها لما أوحي إلى رسول الله - ﷺ - كان سِنُّهَا عشر سنين (^٣)،
_________________
(١) انظر هذه المسألة في الباب الثالث: مسند فاطمة، حديث رقم (٣٤).
(٢) «شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني» (١/ ٤٦٠).
(٣) انظر: «الإصابة» لابن حجر (٨/ ١٥١).
[ ١ / ١٣٩ ]
وأسلَمَتْ حينئذ أمُّهَا خديجة، فلا تتَّصِف بغير الإسلام مع إمعان النظر على التحقيق.
وذكرَ أنَّ عُمرَ النبيِّ - ﷺ - حين وُلِدَتْ زينب ثلاثون سنة، وأنَّ رقية وُلِدَت بعد زينب بثلاث سنين، لِثلاثٍ وثلاثين سنةً من مَولِدِ النبيِّ - ﷺ -، فيكونُ عمُرُها عند البعثة سبعَ سنين.
ووُلِدَتْ أم كلثوم بعد ذلك. وقبل مَولد الزهراء - رضوان الله عليهن - وكان مَولد فاطمة - رضوان الله عليها - لخمسٍ وثلاثين من مَولِدِهِ، فيكون عُمُرُها عند البعثةِ خمسَ سنين، وقيل: أقلَّ من ذلك.
وإذا كان كذلك، لم يحتج إلى قول مَن قال: إنَّ بنَاتِهِ - ﷺ - أسلمنَ، وشَهِدْنَ شهادة الحقِّ، وتابعْنَه على دينِه، وفي عبارة بعضهم: وبايعْنَهُ - ﷺ -.
والجواب على ذلك: أن الذي قال ما قال، لم يقُلْ: إنَّ بنَاتِهِ - ﷺ - كنَّ على دين غير دينِه - ﷺ - - ونعوذ بالله ـ، ثم دخَلْنَ في دينِه، وليس هذا معنى كلام مَن حكى المقالة، فإنَّ بناتِه بَضعَةٌ منهُ، مُطهَّراتٌ من الشرك والرجس والنجَس، وهنَّ تابعاتٌ له - ﷺ -، ولا سيما في الدِّين.
كيف وقد أُوحِيَ إليه وَهُنَّ دون البلوغ، وقد آمنَتْ أمهُنَّ خديجةُ بِهِ - ﷺ -، وصدَّقَتْهُ، وشَهِدَتْ شهادةَ الحقِّ مِن أول يوم البعثةِ، ولهذا
[ ١ / ١٤٠ ]
جزم المحقِّقُونَ بأنَّ خديجة أولُ مَن آمَنَ بِه - ﷺ -، يعني بالذات، وأما بالتبعيَّة فبناتُه - ﷺ - مُقَدَّمٌ إيمانُهُنَّ على سائر الناس، كيف لا، وهُنَّ بضعَتُهُ؟ !
والحاكي للمقالة السالفة إنما حَكى صورةَ مبادَرَتِهِنَّ للشهادةِ والمتابعة من القوَّة إلى الفِعْلِ، كما أنه - ﷺ - إنما دعا الناس إلى التوحيد بعد البعثة، ولم يكن - ﷺ - على دين قومه قبل البعثة
وذكر السفاريني: أنَّ بنَاتِه - ﷺ - أيضًا لم يكنَّ يومًا من الدهر على غير دينِه - ﷺ -. (^١)
قلت: هل يمكن أن يُقال: بأن أول مَن أسلم خديجة، ثم بنات النبي - ﷺ - قبل أبي بكر وعلي؟ فيَكُنَّ أولَ مَن أسلم مطلقًا بعد خديجة - ﵃ -؟
وهل يمكن أن يقال - أيضًا ـ: أول من أسلم من البنات مطلقًا، كما أن عليًَّا أول من أسلم من الصبيان؟
وإسلامهن تبعًا لوالديهنَّ، لأن زينب - أكبر البنات - عمرها أول البعثة عشر سنوات، وفاطمة - ﵂ - - أصغرهن - كان عمرها أول البعثة خمس
_________________
(١) «عَرْف الزَّرْنَب في بيان شأن السيدة زينب بنت سيد العجَم والعرب» للسفاريني (ص ٣٢ - ٣٣، ٤٣، ٩٥، ١٠٣ - ١٠٧).
[ ١ / ١٤١ ]
سنوات - على القول الراجح ـ، فَلِمَ لا يُذكَرْنَ بأنهن أول مَن أسلم بعد خديجة؟ !
لم أجد من تطرق لهذا غير الزرقاني، ثم السفاريني، وهو قول قوي فيما يظهر لي ــ والله تعالى أعلم ـ.
وقد يقال: بأن البحث فيمن أسلم ممن دعاه النبي - ﷺ -، وأما بناته فهن تبع له خاصة أنهن كلهن - أو عدا زينب - دون البلوغ.
لكن سياق الحديث عند مَن بحث في المسألة: عَمَّنْ دخل في الإسلام أولًا، لا فرق بين مَن دخل تبعًا كبناته، ومولاه، وعليٍّ - على الصحيح (^١) ـ، ومَن دعاه فاستجاب كأبي بكر، وغيره.
على كُلٍّ، هذه المسألة لا ينبني عليها حُكْم، ولا عَمَل - والعلمُ عند الله تعالى ـ.
_________________
(١) قال ابن حجر: (ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح). وقيل: أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أربع/خمس/ست/ثمان عشرة. انظر: «تهذيب الكمال» (٢٠/ ٤٨١)، «سير أعلام النبلاء» - الخلفاء الراشدون - (ص ٢٢٧)، «الإصابة» (٤/ ٤٦٤). وانظر الباب الثالث: مسند فاطمة، حديث رقم (٣٤).
[ ١ / ١٤٢ ]