الطالب أحمد بن محمد رار التنواجيوي رحمهما الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عابدا زاهدا صالحا تقيا، ذا خلق حسن، صاحب انفاق في سبيل الله، فقيها نحويا منطقيا بيانيا قارئا بالسبع، أكثر عبادته إقراء القرآن العظيم وتعليم الناس العلم، انتفع به كثير من الطلبة، وأخذ عنه الفقيه التقي السني محمد الأمين بن عبد الوهاب الفلالي وغيره، كان معمر الأوقات بالتعليم، ربما يقرئ التلاميذ قبل صلاة الصبح، ثم بعد الصلاة يشتغل بأوراده إلى حل النفل، ويصلي ركعتي الضحى ثم يجلس للتعليم إلى قرب الزوال، فينام نوما خفيفا، ثم بعد الصلاة (^٥٠)
_________________
(١) في ج: صاحبه.
(٢) في ج: صلاة الظهر.
[ ٥٩ ]
يشتغل بالتعليم إلى صلاة العصر، ثم يشتغل به بعدها إلى أذان المغرب، ثم يصلي النوافل بعد صلاة المغرب إلى العشاء، ويتنفل بعد العشاء أمام بيته. وإذا كان ثلث الليل الأخير يقوم فيركع، ويشتغل بالتعليم إلى الصبح، نفعنا الله تعالى به. وتعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة ودرجة عظيمة، قال في جواهر العقدين في فضل الشرفين: وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تعلّم العلم فإنّ تعلّمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنّه معالم الحلال والحرام، سبيله الجنّة، وهو الانس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والسّلاح على الأعداء، والزّين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأيمّة يقتفى آثارهم ويقتدى بهم وينتهى إلى رأيهم. انتهى المراد منه.
وكان فهما نجيبا، سمع ليلة رجلا ينشد قصيدة فحفظها بالسمع.
وإذا حضر إلى تفسير لوح لا يحتاج له إلى شيخ، وإذا كتب لوحا حفظه، وإذا قرأ شيئا لا يحتاج أن ينظره في كتاب، وما لم يقرأ فهمه بالنظر في الكتاب. وكان مقتديا بما قاله الشيخ خليل، ولا يلتفت إلى شرح ولا إلى نص غيره، ويقول ما قال الفقيه سيدي أحمد بابا التنبكتي: نحن أناس خليليون إن ضلّ ضللنا. وكان ملازما للطهارة، يدخل في الآبار ليلا لأجل أخذ ماء الطّهارة، وقد رحل أهله من دار فيها الماء المطلق، فصار يسري إليها حتى يغتسل فيها.
وكان رحمه الله تعالى سخيا. ومن سخائه أن بعض تلامذته تزوج وأمسك أصهاره زوجته حتى يدفع لهم حالّ الصداق وليس عنده ما يدفع لهم، فأعطاه عشرين بقرة دفعها لهم، وهو قليل ذات اليد. ولقد صدق فيه قول الشاعر.
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
[ ٦٠ ]
وكان متواضعا، فإذا رأيته لا تميز بينه وبين تلامذته، ويركب على الفرس بلا سرج قائما بمصالح أهله. يحضر لحفر الآبار، ويتبع البقر إذا سرح، ولا يقوم بأرض جدبة خوفا من حقّ البهائم.
وكان كثيرا فيه لا أدري، وكان حسن الخلق كثير التبسم قليل القهقهة، ولا يزجر التلاميذ على أمر غير حرام، بل يصبر عليهم، ويتغافل عن أولاده فلا يأمرهم بالقراءة. وكان زاهدا في الدنيا، فإذا كان عنده بقرات قلائل يرد زكاة الفطر ولا يقبلها، وإذا قبلتها امرأة له يطلقها.
وصام سنة مجاهدا للنفس لما طلق امرأة يحبها. وكان التلاميذ عنده سواء من يعطيه منهم ومن لا يعطيه، بل جميع الناس عنده سواء، ولا يبالي بالظلمة ولا يقوم لأحد منهم. وإذا صافحه يمدّ له رؤوس أصابعه زاهدا فيه. ووصله مرة بعض أمراء المغافرة وأعطاه شيئا من العين وأرسلها مع تلميذ له للغرب لشراء الكتب، وندم بعد ذلك على تلك الغيبة.
أخذ القراءات السبع عن سيدي محمد بن عبد الله بن بابا التنواجيوي ابن سيد القراء في بلدنا سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي، والفقه عن الشيخ سيد المختار بن الطالب، عن ابن الشواف الجكاني صاحب الحذف، والفقيه أحمد بن سالم المسومي (^٥١). ألف رحمه الله تعالى معينا مشهورا مفيدا على مختصر خليل، وله معين على أم البراهين، ومعين على ألفية ابن مالك.
توفي رحمه الله تعالى آخر جمادي الآخرة أو أول رجب عام عشرة بعد مائتين وألف.