الحاج أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى، والد سيدي أحمد بابا، الفقيه العالم بن الفقيه العالم، كان ذكيا ذا رأي متفننا محدّثا أصوليا بيانيا منطقيا مشاركا في فنون من العلم، كان رقيق القلب عظيم الجاه وافر الحرمة عند الملوك وكافة الناس، نفاعا بجاهه، لا ترد له شفاعة، يغلظ على الملوك فمن دونهم وينقادون له أعظم الانقياد، ويزورونه في داره، ولما مرض في كاغ في بعض أسفاره كان السلطان أسكيا داود يأتيه بالليل ويسمر عنده حتى برئ تعظيما لقدره، وكان مشهور القدر والجلالة، وافر الجاه بحيث لا يعارض، محبا في أهل الخير، متواضعا لهم، لا ينطوي على حقد لأحد منصفا للناس، جماعا للكتب، وافر الخزانة، محتوية على كل علق نفيس، سموحا بإعارتها. قال في تاريخ السودان: جمع الله تعالى له أنواع الجمال خلقا ولونا وصوتا وخطا وفصاحة وإتقانا، بارعا في الأدب، محببا إلى جميع
_________________
(١) في أ: الأرميون، وفي ج: الارهيون.
(٢) في أ: «البرهمنرشي».
[ ٢٩ ]
الخلق، عزيزا عندهم. أخذ عن عمه بركة عصره محمود بن عمر وغيره، ورحل للشرق سنة ست وخمسين فحج وزار واجتمع بجماعة كالناصر اللقاني والشريف يوسف تلميذ السيوطي، والجمال بن الشيخ زكرياء، والاجهوري والتاجوري؛ وبمكة وطيبة بأمين الدين الميمون والملاّي وابن حجر المكي، وعبد العزيز اللمطي، وعبد المعطي السخاوي، وعبد القادر الفاكهاني وغيرهم، وانتفع بهم ولازم أبا المكارم محمد البكري وتبرك به وقيد عنه فوائده، ثم قفل لبلده فدرس قليلا، وأسمع الصحيحين نيفا وعشرين سنة في شهر رجب وتالييه وغيرهما. وأخذ عنه جماعة، كالفقيهين الصالحين الأخوين محمد وأحمد إبني الفقيه محمود بغيغ، وحضر عليه إبنه سيدي أحمد بابا أشياء عدة، وأجازه جميع ما يجوز له وعنه، وسمع بقراءته الصحيحين والموطا والشفا، وعلق على صغرى السنوسي والقرطبية وشرح مخمسات العشرينيات الفزاريّة في مديح النبي ﷺ، وشرح منظومة المغيلي في المنطق شرحا حسنا، وعلق على مواضيع السهو منه، وشرح جمل الخونجي، وألف في الأصول ولم يكمل.
ولد في فاتح المحرم عام تسعة وعشرين وتسعمائة، وثقل عليه لسانه وهو يقرأ صحيح مسلم في الجامع، فأشار عليه الشيخ العلامة محمد بغيع وهو جالس حذاءه بقطع القراءة، فتوفي ليلة الاثنين بغرة ليلة السابع والعشرين من شعبان عام واحد وتسعين وتسعمائة. قال سيدي أحمد بابا:
ورأيت له بعد وفاته رؤيا حسنة رحمه الله تعالى.