من خلل مراجعة الروايات والحوارات التي تقدَّمت، يتبين لنا أن هناك سببين رئيسين جعلا هؤلاء الصحابة يعارضون، وهما:
الأول: أن هذه الطريقة في تعيين الخليفة، والتي يعهد فيها الوالد إلى ولده من بعده، لم تكن مستصاغة عندهم، ويرونها أشبه بطرق الروم والفرس، منها إلى المسلمين، وذلك لما أراد مروان أن يستدل بفعل أبي بكر وعمر، في عهدهما لأحد بالخلافة بعدهما، على صواب فعل معاوية، وقال: «سنة أبي بكر وعمر»، انتهره عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال: «بل سنة هرقل وقيصر» (^٢). وبيَّنوا الفارق بين فعل العمرين وفعل معاوية، وهو: أن كلا الخليفتين وإن عهد إلى أحد من بعده، فردا أو جماعة، إلا أنه لم يعهد لابنه، أو أحد من رهطه وأقاربه، مع كونهم كان لهم أبناء يحبونهم أيضًا.
الثاني: أن بعضهم كان لا يرى صحة مبايعة خليفتين في وقت واحد، ولذلك قال ابن الزبير لمعاوية: «إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا» (^٣).
بل في بعض الروايات أن ابن الزبير استدل على ما ذهب إليه بحديث للنبي - ﷺ - في ذلك.
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٢١٤ - ٢١٥).
(٢) حسنٌ بشواهده: تقدَّم تخريجه.
(٣) في إسناده مقال: تقدَّم تخريجه.
[ ١٩٣ ]
فعن سعيد بن جبير: «أن عبد الله بن الزبير قال لمعاوية في الكلام الذي جرى بينهما في بيعة يزيد: وأنت يا معاوية أخبرتني أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا آخرهما» (^١).
لكنْ الملاحَظ هنا: هو أن المعارضين لم يذكروا قدحًا في يزيد، وإلا كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتُّهِم بها فيما بعد؟ وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم. ولعلَّ هذا كان أحد أهم الأسباب التي جعلت معاوية يصمِّم على رأيه، مع أسباب أخرى، نبينها فيما يلي.