قال ابن الأثير: «ثم يكون مُلكٌ عَضوض، أي: يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا. والعضوض: من أبنية المبالغة» (^١).
وقال ابن منظور: «وملك عَضوض: شديد فيه عسف وعنف» (^٢).
وأما على رواية: ملوك عُضوض:
فقد قال الخطابي: «العُضوض: جمع عِض، وهو: الرجل الخبيث الشرس الخلق» (^٣).
ثانيًا: نص الحديث الصحيح، وبيان اللفظ الضعيف:
فعن سعيد بن جمهان، عن سفينة - ﵁ - قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك. قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين» (^٤).
وهذا الحديث صحَّحه الإمام أحمد، وكان يقول به، ويردُّ على من ضعَّفه.
قال المرُّوذي: «ذكرت لأبي عبد الله حديث سفينة، فصححه، وقال: هو صحيح.
قلت: إنهم يطعنون في سعيد بن جمهان؟
فقال: سعيد بن جمهان ثقة، روى عنه غير واحد، منهم: حماد، وحشرج، والعوام.
قلت: إن عباس بن صالح حكى عن علي بن المديني، عن يحيى القطان أنه تكلم فيه؟ فغضب، وقال: باطل ما سمعت يحيى يتكلم فيه» (^٥).
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: «سألت أبي عن الخلافة، فذكر المسألة، وسمعته يقول: والخلافة على ما روى سفينة، عن النبي - ﷺ -: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة» (^٦).
وسأل محمد بن الحكم الإمام أحمد عمن ضعَّف حديث سفينة من قبل سعيد بن جمهان، فقال: «بئس القول هذا، سعيد بن جمهان رجل معروف، روى عنه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والعوام، وعبد الوارث، وحشرج بن نباتة، هؤلاء خمسة أحفظ أنهم رووا عنه» (^٧).
من خلال ما تقدَّم: تبين لنا أن لفظ الحديث الصحيح ليس فيه ذكر: «الملك العضوض»! وإنما وردت هذه اللفظة في حديث آخر، إليك نصه والحكم عليه:
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٥٣).
(٢) لسان العرب (٧/ ١٩١).
(٣) غريب الحديث للخطابي (١/ ٢٥٠).
(٤) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٦، ٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٩).
(٥) المنتخب من العلل للخلال (ص: ٢١٧).
(٦) السنة للخلال (٢/ ٤٢٤).
(٧) السنة للخلال (٢/ ٤٢٨).
[ ١٦٠ ]
عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل - ﵃ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله» (^١).
وهذا ضعيف الإسناد، منكر المتن في بعض ألفاظه.
قال الشيخ الألباني: «والحديث مع ضعف سنده فإن قوله في آخره: "وينصرون على ذلك" منكر، بل باطل؛ لأنه ينافي النصوص القرآنية، كقوله تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾، مع مخالفته لواقع حال المسلمين اليوم، والله المستعان» (^٢).
ولهذه اللفظة شاهد من حديث آخر؛ وهو:
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الطيالسي (٢٢٥)، وأبو يعلى (٨٧٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٩١، ٩٢)، والبيهقي (١٦٦٣٠)، وفي سنده الليث بن أبي سليم، أكثر العلماء على عدم الاحتجاج بحديثه، وأجمل الحافظ الكلام فيه في التقريب (٥٦٨٥) بقوله: "صدوق اختلط جدا، ولم يتميز حديثه؛ فتُرك".
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٧/ ٥٦).
[ ١٦١ ]
عن النعمان بن بشير قال: «كنا قعودًا في المسجد مع رسول الله - ﷺ -، وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله - ﷺ -: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الطيالسي (٤٣٩) -وعنه أحمد (١٨٤٠٦) - والبزار (٢٧٩٦)؛ من طريق داود بن إبراهيم الواسطي (وانقلب عند البزار إلى: إبراهيم بن داود!)، عن حبيب بن سالم، عن النعمان؛ به. وقد فرَّق العلماء بين داود بن إبراهيم الواسطي، وداود بن إبراهيم الذي يروي عن طاوس، كما في التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، والضعفاء والمتروكون لابن الجوزي (١/ ٢٦٠)، والمتفق والمفترق للخطيب (٢/ ٨٧٥، ٨٧٧)، ولسان الميزان لابن حجر (٣/ ٣٩٢). وأما ابن حبان فقد جعلهما في الثقات (٦/ ٢٨٠) رجلا واحدا! فأما صاحبنا -الواسطي- فلم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، وإنما نقل ابن أبي حاتم توثيق الطيالسي له، وهو موجود في موطن هذا الحديث عند الطيالسي، وذكره ابن حجر في تعجيل المنفعة (١/ ٥٠٥) وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات". وقال الذهبي في ديوان الضعفاء (ص: ١٢٤): "أما داود بن إبراهيم الواسطي، عن شعبة، وداود بن إبراهيم العنبري، عن عبدة بن سليمان، وداود بن إبراهيم عن الحسن بن شبيب، فليسوا بالمشهورين، ولا ضُعِّفوا". إذا فليس ثم توثيق لصحابنا إلا من الطيالسي، وذكر ابن حبان له في الثقات، وقد تقدم أن ابن حبان جمعه براوٍ آخر. وأما الطيالسي: فقد انفرد بتوثيقه، وكذا انفرد برواية هذا الحديث عنه. قال الدارقطني -كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٢٤) -: "تفرد به أبو داود الطيالسي، عن داود بن إبراهيم الواسطي، عن حبيب بن سالم، عن النعمان". وأعلَّه البزار بشيء آخر؛ فقال عقبه: "هذا الحديث لا نعلم أحدا قال فيه: النعمان عن حذيفة إلا إبراهيم بن داود". ومما يعلُّ هذه الرواية أيضا: أن للحديث طريقا آخر عن حذيفة بلفظ مختلف، أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده -كما في المطالب العالية (٤٣٣٧) - ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٦٥٨١)؛ من طريق زيد بن الحباب، ثنا العلاء بن المنهال الغنوي، حدثني مهند القيسي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنكم في نبوة ورحمة، وستكون خلافة ورحمة، ثم يكون كذا وكذا، ثم يكون ملكا عضوضا، يشربون الخمور، ويلبسون الحرير، وفي ذلك ينصرون إلى أن تقوم الساعة». قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المنهال إلا زيد بن الحباب". قلتُ (أحمد): هذا إسناد ظاهره الحسن، أما زيد: فهو صدوق، كما في التقريب (٢١٢٤)، والعلاء الراجح في حاله التوثيق، كما في التذييل على كتب الجرح والتعديل لطارق ناجي (ص: ٢٠٥). لكن يبدو -والله أعلم- أن أحد الرجلين دخل له حديث حذيفة في حديث أبي عبيدة، وعلى كل حال فالشاهد الذي نريده -مع ثبوت هذا السند- أن هناك مرحلةً وسطى بين الخلافة الراشدة، والملك العضوض، وهذا ما أشارت إليه رواية أخرى صحيحة الإسناد، كما سيأتي في الرواية القادمة من حديث ابن عباس.
[ ١٦٢ ]
وهذا الحديث في إسناده كلام يجعل الاحتجاج به متعذرا بعض الشيء، خاصَّةً في إثبات حكم متعلق بمن ثبت فضله، وقامت عدالته بيقين. ومع هذا: فحتى لو ثبتت هذه اللفظة، فقد أفادت بعض الروايات أن ثمة مرحلة وسطى بين الخلافة الراشدة، والملك العضوض؛ هي: مرحلة الملك والرحمة.
فعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان» (^١).
خلاصة المسألة:
أولًا: حديث «الخلافة ثلاثون سنة» صحيح الإسناد، وقد فسَّر سفينة - ﵁ - رواي الحديث- هذه المدة بقوله: «أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين» -كما تقدَّم-.
وهناك من العلماء من يجعل خلافة الحسن بن علي هي المتممة لهذه السنوات الثلاثين.
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ رقم ١١١٣٨)، من طريق موسى بن أعين، عن ابن شهاب (كذا في المطبوع، وسيرد التصحيح قريبا)، عن فطر بن خليفة، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ به. وفي سنده فطر بن خليفة، صدوق، كما في التقريب (٥٤٤١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٩٠): "رواه الطبراني، ورجاله ثقات". والحديث صحَّحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ٨٠٣، رقم: ٣٢٧٠)، وقال: "وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات؛ غير سعيد بن حفص النفيلي، ففيه كلام يسير، وقد وثَّقه ابن حبان، وأخرج له في صحيحه ثلاثة أحاديث، والذهبي، والعسقلاني فقال: "صدوق تغير في آخر عمره". وأبو شهاب: هو موسى بن نافع الخياط، ووقع في الأصل: (ابن شهاب)! والتصحيح من المخطوطة (٣/ ١١١/ ١) وكتب الرجال". وانظر ما تقدم في الحاشية السابقة هنا.
[ ١٦٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «فكان آخر الثلاثين: حين سلَّم سبطُ رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي -﵄- الأمر إلى معاوية» (^١).
وقال ابن كثير: «وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي - ﵁ -، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله - ﷺ - ; فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من أكبر دلائل النبوة» (^٢).
ثانيًا: لم تثبت لفظة: «الملك العضوض» في هذا الحديث، وقد تقدَّم بيان ضعف أسانيدها.
ثالثًا: ورد ما يشهد لهذه اللفظة في حديث آخر، لكن في سنده تتمة هامة تبين المعنى، وتتفق مع ما وقع، وهي: قوله ﵊: «ثم يكون ملكًا ورحمة»، بعد ذكره لفترة الخلافة، وتتنزل هذه على فترة حكم معاوية - ﵁ -.
رابعًا: لا أعلم أحدًا من العلماء أدخل معاوية في فترة الخلافة المعدودة في الحديث، وهو لا يتناسب مع المدة الزمنية المذكورة، لكنَّه معدود عندهم أول ملوك المسلمين، وأفضلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما رُوِي في الحديث: ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض» (^٣).
وقال أيضا: «ثم لما مات معاوية تولى ابنه يزيد هذا، وجرى بعد موت معاوية من الفتن والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداق ما أخبر به النبي - ﷺ - حيث قال: سيكون نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك عضوض.
_________________
(١) جامع المسائل (٣/ ٨٢).
(٢) البداية والنهاية (١١/ ١٣٤).
(٣) جامع المسائل (٣/ ٨٢). وانظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩).
[ ١٦٤ ]
فكانت نبوة النبي - ﷺ - نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (^١).
وقال في موضع آخر: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكا ورحمة، كما جاء في الحديث: يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض.
وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يُعلم أنه كان خيرا من ملك غيره، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة» (^٢).
وقال الذهبي: «ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم» (^٣).
وقال ابن كثير: «فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام وخيارهم» (^٤).
وقال أيضًا: «والسنة أن يقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له: خليفة، لحديث سفينة» (^٥).
وقد رُوي عن معاوية - ﵁ - نفسه أنه كان يقول: «أنا أول الملوك» (^٦).
_________________
(١) جامع المسائل (٥/ ١٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٥٩).
(٤) البداية والنهاية (١١/ ١٤٣).
(٥) البداية والنهاية (١١/ ٤٣٩).
(٦) في سنده مقال: أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٧١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٧٧)، وفي سنده شيخ لم يُسمَّ، وهو الراوي عن معاوية. وله طريق آخر عند أبي خيثمة -كما في البداية والنهاية (١١/ ٤٣٩) - عن عبد الله بن شوذب قال: "كان معاوية يقول: أنا أول الملوك، وآخر خليفة". وسنده صحيح إلى ابن شوذب، لكنه مرسل، فهو لم يدرك معاوية. ولعل هذا الطريق يشد من أزر سابقه.
[ ١٦٥ ]
قال الذهبيُّ -معلِّقا على قوله-: «نعم، فقد روى سفينة، عن رسول الله - ﷺ - قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا. فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عاما، وولي معاوية، وقلَّ أن بلغ سلطان إلى رتبته» (^١).