ذهب جمهور أهل السنة والسواد الأعظم منهم، بل عدَّه ابن كثير مذهب أهل السنة والجماعة، ونقله ابن حجر اتفاقًا عنهم بعد خلافٍ قديمٍ -كما سيأتي-، ذهبوا إلى أنَّ عليًَّا - ﵁ - ومن معه كانو أقربَ إلى الحق من معاوية - ﵁ - ومن معه، وعمدتهم في هذا الترجيح: ماصحَّ عن النبي - ﷺ - من أحاديث تشهد لطائفة علي.
_________________
(١) في سنده ضعف: أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٤٢)، وفي سنده عبد الله بن لهيعة، صدوق خلط بعد احتراق كتبه، كما في التقريب (٣٥٦٣).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٤٧٨٧)، والخلال في السنة (٧٢٨).
(٣) منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٣٦).
[ ١١٥ ]
قال يعقوب بن سفيان: «ولكن كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين الى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم» (^١).
وقال ابن حبان في صحيحه: «ذكر الخبر الدالِّ على أن عليَّ بن أبي طالب كان في تلك الوقعة -يعني: وقعة صفِّين- على الحق» (^٢). ثم ساق تحت هذا التبويب حديث: «الفئة الباغية».
وقال أبو عبد الله الحاكم: «قال أبو بكر -يعني: ابن خزيمة-: فنشهد أن كل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - في خلافته فهو باغٍ، على هذا عهدت مشايخنا، وبه قال ابن إدريس -يعني: الشافعي - ﵁ -» (^٣).
وقال أبو المعالي الجويني: «علي - ﵁ - كان إمامًا حقًا في توليته، ومقاتلوه بغاة» (^٤).
وقال ابن حزم: «وأما أمر علي والحسن ومعاوية: فقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة، يقتلها أولي الطائفتين بالحق، فكان قاتلَ تلك الطائفة عليٌّ - ﵁ -، فهو صاحب الحق بلا شك، وكذلك أنذر - ﵇ - بأن عمَّارًا تقتله الفئة الباغية، فصح أنَّ عليًَّا هو صاحب الحق، وكان عليٌّ السابق إلى الإمامة، فصح بعد أنه صاحبها، وأن من نازعه فيها فمخطئ» (^٥).
_________________
(١) المعرفة والتاريخ (٣/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٢) صحيح ابن حبان (١٥/ ١٣٠).
(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ٨٤).
(٤) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص: ٤٣٣).
(٥) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٧٣).
[ ١١٦ ]
وقال البيهقي: «وقد ذهب أكثرهم -يعني: أكثر الصحابة- إلى أنَّ عليًَّا - ﵁ - كان محقًا في قتاله، حاملًا لمن خالفه على طاعته، يقصد بقتاله أهل الشام حمل أهل الامتناع على ترك الطاعة للإمام، وبقتاله أهل البصرة دفع ما كانوا يظنون عليه من قتله عثمان بن عفان - ﵁ -، أو مشاركته قاتله في دمه، أو ما يقدح في إمامته، واستدلوا على بغي من خالفه من أهل الشام بما كان سبق له من شورى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -، وبيعة من بقي من أصحاب الشورى إياه قبل وقوع الفرقة، وأنه كان في وقته أحقَّهم بالإمامة بخصائصه، وأنهم وجدوا علامة رسول الله - ﷺ - للفئة الباغية فيمن خالفه» (^١). ثم ساق حديث: «وَيْح عمّار، تقتله الفئة الباغية».
وقال أبو عبد الله القرطبي: «وقال فقهاء الإسلام -فيما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب الإمامة من تأليفه-: وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين؛ إلى أن عليًَّا مصيب في قتاله لأهل صفِّين، كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل، وقالوا أيضًا بأن الذين قاتلوه بغاةٌ ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم.
وقال الإمام أبو منصور التيمي البغدادي -في كتاب الفرق في بيان عقيدة أهل السنة-: وأجمعوا أن عليًَّا كان مصيبًا في قتال أهل الجمل، أعني: طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفِّين، أعني: معاوية وعسكره» (^٢).
_________________
(١) السنن الكبرى (٨/ ٣٢٦).
(٢) التذكرة (ص: ١٠٨٩).
[ ١١٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وعليٌّ ومن معه أولى بالحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: تمرق مارقة على حين فُرْقةٍ من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق (^١)، فدلَّ هذا الحديث على أن عليًَّا أولى بالحق ممن قاتله؛ فإنه هو الذي قتل الخوارج لما افترق المسلمون» (^٢).
وقال الذهبيُّ: «ولا نرتاب أنَّ عليًَّا أفضل ممن حاربه، وأنه أولى بالحق - ﵁ -» (^٣).
وقال ابنُ كثيرٍ: «كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم (^٤) من حديث أبى سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة- أن رسول الله - ﷺ - قال لعمَّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية» (^٥).
وقال أيضًا: «وهذا مقتل عمَّار بن ياسر - ﵁ - مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، قتله أهل الشام، وبان بذلك وظهر سرُّ ما أخبر به الرسول - ﷺ - من أنه تقتله الفئة الباغية، وبان بذلك أنَّ عليًَّا محقٌّ، وأن معاوية باغٍ، وما في ذلك من دلائل النبوة» (^٦).
_________________
(١) صحيح مسلم (١٠٦٤) عن أبي سعيد الخدري.
(٢) منهاج السنة (٧/ ٥٧). وسيأتي الحديث عن قتال الخوارج في الكلام عن معركة النهروان، قريبا إن شاء الله.
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٢١٠).
(٤) صحيح مسلم (٢٩١٥).
(٥) البداية والنهاية (٩/ ١٩٣).
(٦) المصدر السابق (١٠/ ٥٢٦).
[ ١١٨ ]
وقال: «وفيه (^١) أن أصحاب عليٍّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، أن عليًَّا هو المصيب، وإن كان معاوية مجتهدًا في قتاله له وقد أخطأ، وهو مأجورٌ إن شاء الله، ولكن عليًَّا هو الإمام المصيب إن شاء الله تعالى» (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: «وظهر بقتل عمَّار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم، ولله الحمد» (^٣).
وأخيرا: فلعلَّ مما استند إليه معاوية - ﵁ - في كونه كان يرى الحق معه ومع أصحابه، ما سمعه من رسول الله - ﷺ - حين قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس»، فحدَّث معاوية بهذا الحديث على المنبر، فقام مالك بن يخامر السكسكي، فقال: يا أمير المؤمنين! قال معاذ بن جبل: «وهم بالشام»، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: «وهم أهل الشام» (^٤).
قال ابن كثير: «فحثَّ معاوية بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق، وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها، وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق» (^٥).
_________________
(١) أي: في الحديث الذي استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية: "تقتلهم أولى الطائفتين بالحق".
(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٥٦٣).
(٣) الإصابة (٧/ ٢٧٨). وقال في فتح الباري (١٣/ ٦٧): " وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية، ، وذهب طائفة قليلة من أهل السنة، وهو قول كثير من المعتزلة؛ إلى أن كلا من الطائفتين مصيب، وطائفة إلى أن المصيب طائفة لابعينها".
(٤) صحيح البخاري (٣٦٤١)، وهو في صحيح مسلم (١٠٣٧) بدون زيادة مالك بن يخامر.
(٥) البداية والنهاية (١١/ ٤٢٠).
[ ١١٩ ]